تعرّفتُ إليكَ في أواخر السبعينات، على الطريقة التي يتعرّف فيها شاعرٌ شاب إلى فنّانٍ راسخ الحضور. كان الشعر آنذاك ملء الدنيا، وبيروت ملء الدنيا، وأنتَ، والفنّ أيضًا، على الرغم من الحرب التي أبادت المكان والزمان والمعنى، واستأصلت كلّ شيءٍ جميل في البلاد. وقد نجحتْ في ذلك أيّما نجاح. ولا تزال.
قلتَ لي تعال، بلكنتكَ الأرمنيّة المقدسيّة، وأخذتَني بيدكَ إلى المحترف، إلى البيت، وضممتَني برحابتكَ الأخويّة، بعصاكَ، وضحكتكَ المريرة، إلى السرّ الذي يجعل اللوحة قصيدةً، والقصيدة لوحة.
ومن وراء عويناتكَ السميكة جعلتَني في الرعيّة الحميمة، وأجلستَني من على يمينكَ: بورتريهاتٍ شخصيّة أربعة، وغلافًا ولوحاتٍ داخليّة لديواني الثاني، "المتّكئة على زهرة الجسد"، وحواراتٍ جمّة، وكرمًا بلا حدود، وصداقةً كنبعٍ مفتوحٍ على نهرٍ على بحرٍ، ولا يجفّ.
قلائل تمكّنوا من رؤية روحي كما فعلتَ أنتَ. ولن أعرف كيف أستطيع، بسوى الشعر وبسوى الحبّ، أن أمنحكَ ما تستحقّ من وفاء.
لوحتكَ؛ الإرث الغارق في الحضارات، والحداثة الأبيّة المتمرّدة، والألوان الممهورة باللّامتناهي، والضربات الحارّة التي تخترق اللحظة والزمن، والقامات الممشوقة المتعاشقة، والوقوف الفروسيّ البهيّ في وجه الفاجعة والتوحّش والموت، وذلك الحنان كلّه، وتلك الرأفة، وهاتيك الإيقاعات الأوركستراليّة، فكيف أكافئها، يا بول؟!
***
كلّما تأمّلتُ لوحتكَ، وجدتُني أمام تجربةٍ أصيلة، وعبقريّةٍ غريزيّة، ومعرفةٍ فنيّة عميقة. التجربة الأصيلة لا تُصنَع بالتفكير المسبق، بل تنضج في منطقةٍ خفيّة من الوعي واللّاوعي، حتى يحين أوان ولادتها. فاللوحة تبدأ حياتها في مكانٍ لا نراه، قبل أن تظهر إلى العالم. لذلك يتجذّر فنّكَ يا بول، في تجربةٍ وجوديّة، لا في مهارةٍ منفصلة عن الحياة.
أمّا عبقريّتكَ الغريزيّة، فتتجلّى في القدرة الاستثنائيّة على الرسم، كما لو أنّ يدًا خفيّةً تشارككَ العمل. كنتَ تبدو أحيانًا كأنّكَ تشاهد نفسكَ وأنتَ ترسم، وكأنّ اللوحة تقودكَ بقدر ما تقودها. لم تكن الغريزة عندكَ نقيض المعرفة، بل ذروتها، آنَ تتحوّل المعرفة إلى حدسٍ وموهبة، ويغدو الفعل الفنّيّ معرفةً لا تحتاج إلى شرح.
وكان إلمامكَ بالتقنيّة والتقاليد وتاريخ الصورة والثقافة البصريّة واسعًا. لم تستسلم للاندفاع وحده؛ كنتَ تعرف ما تفعل، وما سبقه، وتحوّل هذه المعرفة إلى لغةٍ خاصّة لا تستعير هوّيّتها من أحد.
لوحتكَ لا تنفصل عن الذاكرة؛ ذاكرة تاريخ الرسم، وذاكرتكَ الفلسطينيّة، وذاكرة المذابح الأرمنيّة والهجرة والاقتلاع. لم تحمل هذه الذاكرة كحكايةٍ ماضية، بل كوجعٍ حاضر يسكن الأجساد والأشكال والألوان، ويطالب بالاعتراف.
فنّكَ مقاومةٌ للموت وانحيازٌ عميق إلى الحياة. رسمتَ الإنسان؛ روحه وجسده وضعفه ووحدته وخوفه وحاجته إلى الآخر ورغبته في النجاة. وفي قلب هذا العالم، احتلّت المرأة، الأمّ خصوصًا، مكانةً لا تخطئها العين؛ فهي ليست شخصيّةً في اللوحة فحسب، بل حضورٌ للحياة وللحنان الذي يحاول حماية العالم من قسوته.
تتجاور الأجساد وتتداخل وتتساند، حتى تكاد تصبح جسدًا واحدًا. هي ليست مجرّد تكوينٍ تشكيليّ، بل موقفٌ من الوجود. فالإنسان لا ينجو منفردًا، ولا تكتمل حياته إلّا بالآخرين. هنا تكمن قوّة أعمالكَ، وقدرتها على تجاوز المكان والهويّة من دون التخلّي عن الجذور والذاكرة.
لا تغيب المأساة عن عالمكَ، لكنّها لا تستنفد المعنى. ثمّة دائمًا ما يقاومها: حمامة، غصن زيتون، إشارة إلى سلام ممكن، وإلى حياة ترفض الاستسلام. ليست لوحتكَ خلاصًا سهلًا، بل دفاعٌ عن حقّ الإنسان في الحياة، حتى حين يبدو الموت أقوى من كلّ شيء.
في مناسبة مئويّة ولادتكَ، أقول بصوتٍ مسموع: لوحتُكَ شاعرة، يا بول، ودَينُك في رقبتي إلى آخر العمر.