لندن - سدن
دخلت الحكومة البريطانية مرحلة جديدة في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، بعدما اتفقت على سبعة مبادئ لتوجيه استخدامه وتطوير بنيته التحتية، مع التركيز على المصلحة العامة والسيطرة الوطنية والسيادة التقنية.
ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قطاع اقتصادي واعد، بل أصبح جزءاً من قدرة الدولة على إدارة خدماتها وحماية معلوماتها ومنافسة القوى الكبرى.
وكشفت (فايننشال تايمز) اليوم، أن النقاش داخل الحكومة لم يكن خالياً من الخلافات، فهناك وزارات ترى أن التوسع السريع في استخدام التقنية ضروري لرفع الإنتاجية والنمو، بينما تحذر جهات أخرى من مخاطر تتعلق بحقوق الملكية الفكرية والصناعات الإبداعية والثقة العامة.
لكن الخلاف يتجاوز حقوق المؤلفين، فالدولة التي تعتمد بصورة كبيرة على خدمات حوسبة ونماذج تملكها شركات أجنبية قد تواجه قيوداً على التحكم في البيانات والبنية التحتية والأسعار، ولهذا أصبح مفهوم السيادة التقنية يشمل القدرة على تشغيل أنظمة أساسية وضمان استمرارها في الظروف الاستثنائية.
وتدرس الحكومة كذلك، اتفاقاً جديداً مع مطوري مراكز البيانات، يربط منح الأولوية في الوصول إلى الكهرباء وتسريع التراخيص بالتزامات بيئية ومجتمعية، فهذه المنشآت تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، وقد تثير اعتراضات محلية إذا شعر السكان بأنها ترفع تكاليف الخدمات أو تستخدم موارد دون توفير فوائد كافية للمجتمعات المحيطة.
وفي المقابل، تحتاج بريطانيا إلى استثمارات ضخمة في البنية الرقمية إذا أرادت المنافسة في المجالات المتقدمة، بما فيها الحوسبة الكمية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي المستخدم في البحث العلمي والصناعة.
وقد خصصت الحكومة 700 مليون جنيه إسترليني لتعزيز معهد أمن الذكاء الاصطناعي، وإنشاء مختبر للأمن البيولوجي، وتطوير درع سيبرانية وطنية. وتعكس هذه الخطوات اتساع مفهوم الأمن القومي ليشمل أخطاراً قد تنشأ من الأنظمة الرقمية والبيولوجية، وليس فقط من التهديدات العسكرية التقليدية.
لكن بناء مؤسسات رقابية قوية يحتاج إلى خبرات بشرية وقدرات تقنية لا تقل عن تلك التي تمتلكها الشركات الكبرى، فإذا كانت الجهة التنظيمية عاجزة عن فهم الأنظمة التي تراقبها، فقد تتحول الرقابة إلى إجراءات شكلية لا تمنع المخاطر الحقيقية.
كما أن الدولة تحتاج إلى المحافظة على استقلالية القرار دون أن تعزل نفسها عن التعاون الدولي، فالنماذج المتقدمة وسلاسل توريد الرقائق والبنية السحابية تعتمد على شبكات عالمية، ولا تستطيع بريطانيا إعادة إنتاج جميع عناصرها محلياً.
إن المسألة ليست اختياراً بسيطاً بين الابتكار والتنظيم، فالتكنولوجيا التي لا تحظى بثقة الجمهور قد تواجه رفضاً اجتماعياً، بينما قد تؤدي القواعد الجامدة إلى خنق الابتكار.
وتحاول بريطانيا صياغة طريق ثالث، وهو تشجيع الاستثمار، مع الاحتفاظ بقدرة الدولة على وضع الشروط وحماية الحقوق، وسيكون نجاحها مرهوناً بقدرتها على تحويل المبادئ السبعة إلى قواعد قابلة للتنفيذ، لا مجرد إعلان سياسي عن أهمية السيادة.