لندن - سدن
من أكثر الاعترافات التي يصعب على الإنسان البوح بها أن يقول إنه يحب أبناءه، لكنه لو عاد إلى الماضي لما اختار أن يصبح أباً أو أماً!
تبدو العبارة متناقضة، وربما صادمة، في ثقافات تعتبر الإنجاب ذروة الاستقرار العاطفي والإنجاز الشخصي، لكنها تعبّر عن تجربة حقيقية بدأت تحظى بمساحة أكبر في النقاش الاجتماعي.
وقد تناولت صحيفة (فايننشال تايمز) هذه الظاهرة من خلال شهادات آباء وأمهات يشعرون بأن قرار الإنجاب غيّر حياتهم على نحو لم يكونوا مستعدين له، رغم ارتباطهم العاطفي العميق بأطفالهم.
وتتمثل المفارقة في أن الندم على الأبوة أو الأمومة لا يعني بالضرورة الندم على وجود الطفل نفسه، فقد يشعر الأب بحب شديد لابنه، وفي الوقت ذاته يفتقد الحرية التي كانت لديه قبل الإنجاب، وقد ترى الأم أبناءها أهم أشخاص حياتها، لكنها تتذكر مساراً مهنياً أو شخصياً لم تتمكن من مواصلته بعد أن أصبحت مسؤولة عن أسرة، وهذه المشاعر لا تتناقض بالضرورة، لكنها تصطدم بصورة اجتماعية مثالية تتوقع من الوالدين أن يعبّرا عن الامتنان الدائم، وألا يعترفا بأي خسارة شخصية ترتبت على قرار الإنجاب.
وتناولت الصحيفة مجموعة إلكترونية تحمل اسم «I Regret Having Children»، يتابعها أكثر من 115 ألف شخص، وتتيح للآباء والأمهات الحديث عن مشاعر يصعب التعبير عنها أمام الأقارب والأصدقاء، وتشمل الأسباب التي تظهر في هذه الشهادات الإرهاق المستمر، والضغوط المالية، وفقدان الهوية الفردية، وغياب المساندة الكافية من الشريك، فضلاً عن الشعور بأن قرار الإنجاب لم يكن حراً تماماً، بل جاء استجابة لتوقعات العائلة أو المجتمع أو الدين.
وتشير أبحاث تناولها التقرير إلى أن نسبة الآباء والأمهات الذين يختبرون شعوراً مستمراً بالندم قد تتراوح بين خمسة وخمسة عشر في المئة، وفقاً للتعريفات والعينات المستخدمة، لكن هذه الأرقام تحتاج إلى قراءة حذرة، فالشعور العابر بالإرهاق أو الرغبة في الهروب من المسؤوليات لا يساوي بالضرورة الندم المستقر على قرار الإنجاب، كما أن الأبحاث لا تدعم اختزال الظاهرة في النساء وحدهن، إذ يمكن أن تظهر لدى الآباء أيضاً.
ويكشف النقاش عن خلل في الطريقة التي يُقدم بها الإنجاب للأجيال الشابة، فكثير من المجتمعات تتحدث عن سعادة الأطفال وروابط الأسرة، لكنها لا تتحدث بالوضوح نفسه عن سنوات قلة النوم، والتكاليف المتزايدة، وتغير العلاقات الزوجية، وضيق الوقت الشخصي، وقد يدخل الزوجان تجربة الأبوة والأمومة وهما يتصوران أن الحب وحده سيجعل الأعباء محتملة، قبل أن يكتشفا أن الرعاية اليومية تحتاج إلى موارد وصبر وتقاسم حقيقي للمسؤوليات.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين مشاعر البالغين وحقوق الأطفال، فمن حق الأب أو الأم الحديث عن صعوبة التجربة في مساحة آمنة، ومن حق الطفل أن ينشأ وهو يشعر بأنه محبوب وغير مسؤول عن الإحباطات الشخصية لوالديه، ويمكن للمساندة النفسية والاجتماعية، وتوزيع أعباء الرعاية بصورة أكثر عدلاً، أن تخفف بعض الضغوط دون افتراض أن كل شعور بالندم قابل للزوال.
ولعل القيمة الأساسية لهذا النقاش أنه يضع قرار الإنجاب في مكانه الصحيح، حيث انه اختيار إنساني كبير، لا واجباً اجتماعياً ينبغي أن يخوضه الجميع بالطريقة نفسها، فالمجتمع الذي يحترم الأسرة لا يحتاج إلى إنكار صعوباتها، بل إلى توفير الظروف التي تجعل تكوينها قراراً واعياً ومسؤولاً، لا نتيجة للخوف من مخالفة توقعات الآخرين.