دمشق - سدن
بحث الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، خلال لقائهما في دمشق، الأربعاء، آفاق تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بين البلدين، وتطوير مشاريع الربط الإقليمي، إلى جانب تنسيق الجهود الأمنية لحماية الحدود المشتركة ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة.
واستقبل الشرع الزيدي والوفد المرافق له في مطار دمشق الدولي، في زيارة اتجهت مباحثاتها إلى وضع العلاقات السورية العراقية على مسار أكثر عملية، عبر توسيع المصالح الاقتصادية المشتركة وتطوير التعاون بين المؤسسات المعنية، في ظل التحولات الإقليمية وما تفرضه من تحديات وفرص أمام البلدين.
وتناولت المحادثات التحضير لعقد مؤتمر اقتصادي عراقي - سوري مشترك، يضم مستثمرين وشركات من البلدين، لبحث فرص الاستثمار وتحديد المشاريع ذات الأولوية في قطاعات الطاقة والنقل والزراعة والتجارة، ويستهدف هذا المسار تحويل التفاهمات السياسية إلى برامج قابلة للتنفيذ، وتوسيع دور القطاع الخاص في تنشيط التبادل التجاري وفتح مجالات جديدة للشراكة.
وحظي ملف الطاقة باهتمام خاص، مع بحث مشروع تأهيل خط كركوك - بانياس، الذي يمكن أن يشكل منفذاً إضافياً لتصدير النفط العراقي عبر الموانئ السورية على البحر المتوسط، إذا استكملت المتطلبات الفنية والتجارية والأمنية اللازمة.
ويحمل المشروع أهمية استراتيجية محتملة للعراق من خلال تنويع طرق التصدير، ولسوريا عبر الاستفادة من موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية في دعم حركة الطاقة والتجارة الإقليمية.
كما بحث الجانبان تطوير الممرات التجارية والربط البري بين المنطقة، بما يشمل المسارات الشمالية والوسطى والعبور عبر منطقة التنف، فضلاً عن آفاق الربط مع تركيا والسعودية وميناء الفاو والطريق المرتبط به، ومن شأن تطوير هذه المسارات، إذا اقترن بتحسين البنية التحتية والإجراءات الجمركية وتنسيق النقل، أن يوسع حركة الترانزيت ويمنح الشركات خيارات إضافية لنقل البضائع بين الخليج وتركيا والبحر المتوسط.
ويمثل الربط التجاري أحد الملفات التي تتجاوز العلاقات الثنائية، نظراً إلى ارتباطه بموقع العراق بوصفه ممراً بين الخليج وتركيا، وبقدرة سوريا على استعادة دورها في شبكات النقل الإقليمية، غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى عوائد فعلية يتطلب اتفاقات تنفيذية واضحة، واستثمارات في الطرق والمرافق اللوجستية، وضمانات لاستقرار حركة التجارة عبر الحدود.
وفي الجانب الأمني، تناولت المباحثات تعزيز التنسيق بين الجهات المختصة، وتبادل المعلومات، ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة، إلى جانب معالجة التوترات والتحديات القائمة على الحدود المشتركة.
كما نوقشت ترتيبات زيارة وفد أمني عراقي رفيع المستوى إلى سوريا، يضم وزير الدفاع وممثلين عن الجهات الأمنية المعنية بأمن الحدود والحشد الشعبي، لمتابعة الملفات المطروحة وبحث آليات التعاون بين المؤسسات المختصة.
ويكتسب التنسيق الحدودي أهمية للبلدين في مواجهة تحركات الجماعات الإرهابية وشبكات التهريب، وفي منع استغلال المناطق الحدودية للإضرار بأمنهما، كما أن انتظام قنوات الاتصال بين الأجهزة المعنية يمكن أن يساعد في معالجة الحوادث والتحديات بصورة مباشرة، شرط أن يستند التعاون إلى مسؤوليات مؤسسات الدولة وسيادة القانون.
وتطرقت المحادثات أيضاً إلى تسهيل زيارة العراقيين إلى مقام السيدة زينب في ريف دمشق، مع طرح تشكيل لجنة لدراسة الترتيبات اللازمة لتنظيم الزيارات وتأمينها. ويعكس إدراج هذا الملف في المباحثات اهتماماً بالجوانب الدينية والإنسانية للعلاقات بين البلدين، إلى جانب ملفات الاقتصاد والأمن والنقل.
وعلى المستوى الإقليمي، بحث الشرع والزيدي التطورات المحيطة بالبلدين وسبل تجنيبهما تداعيات الصراعات المحتملة، من خلال تنسيق المواقف وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية واحترام سيادة الدول واستقلال قرارها، ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه أهمية حماية المصالح الوطنية من انعكاسات التوترات الإقليمية، والحفاظ على الاستقرار اللازم لإعادة تنشيط الاقتصاد والتجارة والاستثمار.
وكان الرئيس الشرع قد أكد، في مقابلة مع قناة (دجلة) العراقية المملوكة لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، بُثت مساء الثلاثاء، أن سوريا والعراق أمام فرصة لتعزيز التعاون واستعادة دورهما في المنطقة، وبناء دولتين قادرتين على حماية مصالحهما وتحقيق التنمية والازدهار.
وتتوقف نتائج هذا التقارب على قدرة الجانبين على الانتقال من التفاهمات العامة إلى خطوات عملية، تبدأ بتحديد المشاريع ذات الأولوية وجداولها الزمنية، وتستكمل بتنسيق أمني مستمر وتسهيلات تجارية واستثمارية واضحة، فنجاح التعاون السوري العراقي لا يرتبط فقط بتقارب المواقف السياسية، بل أيضاً بقدرته على توفير مصالح ملموسة للبلدين، من فرص العمل وتنشيط التجارة إلى تنويع منافذ الطاقة وتعزيز أمن الحدود.