لندن - سدن
في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث يشكل رجال الدين العمود الفقري للنظام السياسي، توجد محكمة استثنائية مهمتها محاكمة رجال الدين أنفسهم، لا تخضع هذه المحكمة للتسلسل القضائي المعتاد، ولا يستند تأسيسها إلى نص صريح في الدستور، بل تستمد سلطتها من المرشد الأعلى الذي يشرف عليها ويعين كبار مسؤوليها.
اسمها الرسمي (المحكمة الخاصة برجال الدين)، أو (دادگاه ویژه روحانیت) بالفارسية، لكنها تطرح سؤالاً يتجاوز اختصاصها القضائي: من يحاسب رجال الدين عندما يختلفون مع السلطة التي تحكم باسم الدين؟
تأسست المحكمة بصيغتها الرسمية عام 1987، بقرار من روح الله الخميني، قبل أن يصادق خليفته علي خامنئي على لائحتها التنظيمية عام 1990، وكان الهدف المعلن منع تسلل العناصر المنحرفة إلى الحوزات العلمية، وصيانة مكانة رجال الدين، ومحاسبة المتورطين منهم في الجرائم، غير أن تاريخ المحكمة يكشف استخدام اختصاصاتها أيضاً لملاحقة رجال دين خالفوا التوجهات السياسية والفكرية للنظام.
سلطة المرشد فوق القضاء
تمنح اللائحة التنظيمية للمحكمة اختصاصات واسعة، تشمل الجرائم التي يرتكبها رجال الدين، والأفعال التي تمس مكانتهم، والنزاعات المؤثرة في الأمن العام، إضافة إلى أي قضية يحيلها المرشد الأعلى إليها.
والاختصاص الأخير تحديداً يمنح القيادة العليا قدرة استثنائية على تحديد الملفات التي تنظر فيها المحكمة، بعيداً عن الحدود التقليدية للاختصاص القضائي.
كما تمتلك المحكمة جهاز ادعاء خاصاً، وإجراءات تحقيق مستقلة، ونظاماً للاستئناف داخل بنيتها، دون أن تخضع أحكامها لمراجعة المحكمة العليا الإيرانية وفق النظام القضائي المعتاد.
وقد انتقدت منظمة العفو الدولية هذه البنية منذ التسعينيات، معتبرة أن غياب الأساس الدستوري الواضح، واتساع الصلاحيات، والإجراءات المغلقة، يثير تساؤلات جدية بشأن ضمانات المحاكمة العادلة.
حين يصبح الاختلاف الديني قضية أمنية
من أبرز الذين واجهوا هذه المحكمة رجل الدين الإصلاحي محسن كديور، الذي انتقد توظيف الدين لتبرير السلطة السياسية، ودافع عن حرية التفكير والإصلاح السياسي.
في أبريل 1999، حكمت عليه المحكمة بالسجن ثمانية عشر شهراً، على خلفية تصريحات ومقالات اعتبرتها السلطات مضللة للرأي العام ومناهضة للنظام.
وفي العام نفسه، حُكم على عبد الله نوري، وزير الداخلية الأسبق وأحد أبرز الإصلاحيين، بالسجن خمس سنوات، بسبب مواد نشرتها صحيفته (خرداد)، تضمنت انتقادات سياسية ودفاعاً عن المرجع المعارض حسين علي منتظري.
ولم تتوقف القضايا عند الإصلاحيين السياسيين، ففي عام 2016، أصدرت المحكمة حكماً بالسجن 21 عاماً على أحمد منتظري، نجل المرجع الراحل حسين علي منتظري، بعد نشر تسجيل صوتي لوالده ينتقد فيه إعدامات السجناء السياسيين عام 1988، وقد عُلق تنفيذ الحكم لاحقاً.
وتكشف هذه الحالات أن النزاع لا يدور دائماً حول ارتكاب جرائم تقليدية، بل قد يتعلق بتفسير الدين، وحدود ولاية الفقيه، وحق رجال الدين في انتقاد السلطة أو كشف وقائع تاريخية محرجة لها.
من قم إلى النجف.. سؤال المرجعية المستقلة
وتكتسب المحكمة أهمية إضافية عند النظر إلى الاختلاف بين الحوزة الإيرانية وتقاليد المرجعية في النجف.
ففي النموذج السياسي الإيراني، يحتل المرشد موقع القيادة العليا للدولة، بينما تحتفظ مرجعية النجف، تاريخياً، بتقاليد أوسع من الاستقلال المؤسسي عن الحكم المباشر، رغم تأثيرها السياسي والاجتماعي الكبير.
ومن هنا، فإن المحكمة الخاصة برجال الدين لا تمثل مجرد مؤسسة لمعاقبة المخالفين، بل تكشف طبيعة العلاقة بين المرجعية الدينية والسلطة السياسية داخل إيران.
من يحاكم أصحاب العمائم؟
ويدافع التصور الرسمي عن وجود المحكمة باعتبارها ضرورة لحماية المؤسسة الدينية من التجاوزات والجرائم التي يرتكبها بعض المنتسبين إليها، وهذا هدف يمكن أن تتولاه، من حيث المبدأ، محاكم عادية تتوافر فيها ضمانات الاستقلال والعلنية والمساواة أمام القانون.
لكن الإشكالية تبدأ عندما تصبح حماية مكانة رجال الدين عنواناً قانونياً واسعاً، وعندما تُمنح السلطة السياسية صلاحية تحديد ما يسيء إلى تلك المكانة، وما يشكل اختلافاً مشروعاً معها، فالمحكمة التي أُنشئت لمحاسبة رجل الدين المخالف للقانون، امتلكت عبر تاريخها أدوات لمحاسبة رجل الدين المخالف للسلطة أيضاً.
وهنا تكمن المفارقة الإيرانية، بحيث نظام يمنح رجال الدين مكانة استثنائية في الحكم، لكنه يحتفظ بمحكمة استثنائية لملاحقتهم عندما يتحول بعضهم إلى معارضين.
في إيران، لا تكفي العمامة لحماية صاحبها من المحاكمة، وقد يصبح اختلافه مع المرشد أخطر عليه من مخالفته للقانون.