باريس - سدن
كتب: عبدالرحمن الناصري
لم تبدأ الأزمة الفرنسية الجديدة من البرلمان، ولا من قصر الإليزيه، ولا حتى من خلاف على الموازنة العامة.. فقد بدأت من المدارس، حين اكتشف التلاميذ أن نقص المعلمين، وتدهور المباني، وازدحام الصفوف، لم تعد مشكلات يمكن تأجيلها إلى العام الدراسي المقبل.
وها هي احتجاجاتهم وبعد أسابيع قليلة، تحولت إلى حركة اجتماعية واسعة تضع الرئيس إيمانويل ماكرون أمام واحدة من أصعب المواجهات في الأشهر الأخيرة من ولايته.
فقد خرج نحو 410 آلاف متظاهر إلى الشوارع الفرنسية، السبت 24 أكتوبر، وفق تقديرات وزارة الداخلية، بينهم 110 آلاف في باريس، أما النقابات، فقد قدرت المشاركة بأعداد أكبر، في استمرار للخلاف المعتاد بين السلطات والمنظمين حول حجم الاحتجاجات.
لكن الأرقام ليست وحدها ما يقلق الحكومة، فقد انتقلت المطالب من إصلاح التعليم إلى الاحتجاج على ارتفاع تكاليف المعيشة، ثم إلى انتقاد طريقة تعامل الشرطة مع التظاهرات والقيود المفروضة على التجمعات.
وقبل المظاهرات، نشرت السلطات نحو 70 ألف شرطي ودركي، وأغلقت محطات مترو ومناطق تجارية، خشية تكرار أعمال العنف والنهب التي شهدتها مدن فرنسية خلال الأسبوع السابق.
وتحدثت تقارير صحفية عن توقيف نحو ألف شخص خلال احتجاجات السبت، رغم أن معظم المسيرات كانت سلمية، وسجلت مواجهات في باريس ومدن أخرى، مع استخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه.
وتكشف هذه التطورات عن مأزق يتجاوز قدرة الحكومة على ضبط الشارع، فالرئيس الذي وصل إلى السلطة عام 2017 بوعد تجاوز الانقسامات التقليدية بين اليمين واليسار، يجد نفسه أمام احتجاجات تجمع فئات مختلفة، لا يجمعها برنامج سياسي واحد بقدر ما يجمعها الشعور بتراجع الخدمات العامة وارتفاع تكاليف الحياة.
وأيضاً يواجه ماكرون مشكلة إضافية، تتمثل في أن الغضب الشعبي يتجه نحوه شخصياً، رغم أنه لا يستطيع الترشح لولاية رئاسية ثالثة متتالية في انتخابات 2027.
وفي تحليل نشرته صحيفة (لوموند)، رأت الصحيفة أن الرئيس أصبح مركزاً للاعتراضات المتراكمة على السياسات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
وجاءت الأزمة بالتزامن مع هجوم وقع في مدينة تراب غربي باريس، أسفر عن مقتل شخص وإصابة خمسة آخرين بجروح خطيرة، ووصف ماكرون الهجوم بأنه عنصري وإرهابي، ودعا الفرنسيين إلى الوحدة.
غير أن دعوته للتوافق جاءت بعد تصريحات أكثر تشدداً من رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، الذي وضع المحتجين أمام خيار بين الوقوف مع الجمهورية أو مع مثيري الشغب.
ويكشف التباين في الخطاب عن صعوبة الجمع بين استعادة الأمن واحتواء الغضب الاجتماعي.
وتستعيد الأزمة في بعض جوانبها احتجاجات (السترات الصفراء) التي اندلعت عام 2018، لكنها تختلف عنها في نقطة أساسية، فالحركة الحالية انطلقت من مؤسسات التعليم، قبل أن تتوسع إلى مطالب اجتماعية وسياسية، كما أن السلطات تواجه اليوم أزمة ثقة أكثر تعقيداً، في ظل برلمان منقسم وصعوبات اقتصادية وتنافس محتدم بين القوى السياسية استعداداً للانتخابات المقبلة.
والمفارقة أن الدولة الفرنسية، التي جعلت التعليم العام أحد أعمدة هويتها الجمهورية، تواجه احتجاجات بدأها طلاب يطالبونها بالوفاء بالتزاماتها تجاه المدارس.