"تخلى العرب عن العراق حين غزته أميركا وهو الفراغ الذي كان على إيران أن تملأه" ذلك ما صار يُقال. ولكن هل كانت الولايات المتحدة في حاجة إلى مَن يملأ ذلك الفراغ؟ الأهم من ذلك هو "ألم تكن الولايات المتحدة حين غزت العراق تسعى إلى محو هويته العربية؟" صحيح أن صدام حسين وهبها كل المفاتيح بسياساته العبثية الخاطئة غير أنها من خلال سلوك رئيس سلطتها في العراق بول بريمير وقراراته قد أعلنت عن مشروعها في إطلاق صورة جديدة عن عراق لن يكون له معنى على المدى المستقبلي البعيد. في ذلك المنظور لا يهم أن يكون ذلك العراق إيرانيا. المهم ألا يكون عربيا. حتى الذين كرهوا صدام حسين من العرب لم يتوقعوا ذلك النوع من التغريب الذي انتهى إليه العراق. أن يتم تغييبه عربيا ليكون حديقة خلفية لبلاد فارس وهي حديقة غنية بثرواتها التي ساهمت في التخفيف من وطأة الحصار على إيران.
النفخ في جغرافيا المكونات الطائفية
بعد الاحتلال الأميركي فات الوقت الذي يقرر فيه العرب فيما إذا كان في إمكانهم أن يستعيدوا العراق باعتباره جزءا جوهريا من محيطهم القومي. لقد خسروه. لو أنهم فكروا في الإضرار التي يمكن أن تُلحق بهم في وقت مبكر لتداركوا كارثة احتلال الكويت عام 1990. ذلك كلام لا ينفع الآن. وبما أن الزمن كله صار أميركيا فقد انتهت الأمور إلى الاحتلال الذي أسقط نظام صدام حسين وأحل محله نظاما طائفيا، كان الجزء الأكبر من وجوده يستمد طاقته من النفخ في جغرافيا المكونات الطائفية، باعتبارها بديلا للجغرافية السياسية العراقية وكان بديهيا في ذلك السياق أن تحتل الأحزاب الشيعية الموالية لإيران موقع الصدارة في نظام الحكم الجديد. في مجلس الحكم الذي ترأسه بريمير وضع الأميركان بأنفسهم خارطة العراق تحت المبضع الإيراني حين جهزوا الوصفة الطائفية. وما "الحاكمية الشيعية" إلا واحدة من وصفات حزب الدعوة المستلهمة م أفكار الإخواني المصري سيد قطب.
المشكلة في ثقة مفقودة
على الرغم من أن العراق عاش بعد كارثة الاحتلال سنوات عصيبة، تردى فيها الوضع الأمني وهو ما انعكس على الموقف العربي منه، حيث ترددت الكثير من الأطراف في مد يدها إليه خشية أن تحترق فإن ذلك الزمن الحرج لم يخل من محاولات بذلها ذلك الطرف أو ذاك للإنفتاح على العراق. باءت تللك المحاوات بالفشل لا لشيء إلا لأنها اصطدمت بحقيقة أن العراق الجديد لم يصل إلى مرحلة النضج التي تؤهله لأن يكون دولة ذات سيادة، بحكومة لها برنامجها السياسي والاقتصادي والتنموي الواضح. كانت هناك أيضا محاولات من إطراف عراقية لجر أطراف خليجية للاستثمار في العراق ولكن تلك المحاولات خالطها الكثير من الفساد الذي أدى إلى إفشالها في منتصف الطريق. ومثلما فقد النظام المالي العالمي ثقته بالنظام السياسي في العراق فإن أطرافا عربية عديدة شعرت أن التورط في الملف العراقي سيقودها إلى وضع سيء لا يمكن تداركه. لا يتعلق الأمر بموقف مذهبي بقدر ما كان ولاء الأحزاب الحاكمة في العراق لإيران ينبئ بمستقبل مظلم على مستوى العلاقات بالعالم. ولقد أكدت الوقائع أن دولة تربط مصير اقتصادها باقتصاد دولة تعادي العالم لابد أن تنتهي إلى الإفلاس.
حل الجيش وشيطنة البعث
في مذكراته عن سنة حكمه في العراق أكد الحاكم المدني االأميركي بول بريمير أن المعارضين العراقيين الذين تم جلبهم من الخارج لا يملكون مشروعا لبناء عراق جديد. أسوأ ما قيل في ذلك المجال ما ورد في مذكرات زلماي خليل زاده الذي أكد أن أولئك المعارضين لم يكونوا يملكون رؤية واضحة لمسقبل بلادهم. ذلك لأنهم حين سئلوا في مؤتمر لندن الذي عُقد قبل أشهر قليلة من الغزو عن برنامجهم فركزوا على حرية إداء الشعائر الحسينية، أي اللطم والنحيب والمشي كيلومترات تحت شمس العراق اللاهبة. لم يسخر الأميركان يومها من تلك المطالب بل دعموها لأنها كشفت لهم عن نوع البشر الذين سيكونون أدواتهم في الانحراف بالعراق وشعبه في اتجاه ينقلب فيه على تاريخه الوطني والقومي المعاصر. وهو ما برز في قانوني حل الجيش العراقي واجتثاث البعث اللذين أصدرهما بريمير تمهيدا لقيام عراق من غير سيادة ومن غير هوية.
لم يدرك العراقيون أن فرح شبابهم بإلغاء التجنيد الإجباري كان عنوانا لمرحلة، ستكون فيها سيادتهم على أرضهم مؤجلة كما أن البعث وقد تمت شيطنته كان قد أخذ معه عروبة العراق إلى غير رجعة.