كتب: عمر الهارون
لا ترفع المظاهرات التي تشهدها أوروبا شعاراً واحداً، ولا تقودها منظمة موحدة، لكنها تكشف عن مجموعة من المشكلات المتشابهة التي تواجه المواطنين، خصوصاً الشباب، في دول تختلف أنظمتها الاقتصادية والسياسية.
فبين 15 سبتمبر و23 أكتوبر 2026، شهدت اثنتا عشرة دولة أوروبية ما لا يقل عن 177 احتجاجاً، وفق قاعدة بيانات أعدتها صحيفة (إل باييس) الاسبانية، اعتماداً على التغطيات الإعلامية والمصادر الرسمية، وتركز نحو 80% من الاحتجاجات في خمس دول، هي: فرنسا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال وبلجيكا، لكن أسبابها لم تكن متطابقة.
ففي فرنسا، انطلقت الحركة من المدارس، مع احتجاج الطلاب على نقص المعلمين وتدهور المباني والازدحام داخل الصفوف.
وفي إسبانيا، تركز الغضب على أزمة السكن وارتفاع الإيجارات وصعوبة حصول الشباب على مساكن مستقلة.
أما في البرتغال، فقد خرج محتجون ضد مقترحات قانونية تتعلق بتسهيل عمليات الإخلاء من المنازل.
وشهدت إيطاليا وبلجيكا احتجاجات مرتبطة بالإنفاق على التعليم والسياسات الاقتصادية، بينما تركزت تحركات في ألمانيا على رفض بعض إجراءات التسلح والخدمة العسكرية.
وفي البلقان، اتخذت الاحتجاجات طابعاً سياسياً مختلفاً، فقد تصاعد الغضب بسبب اتهامات بالفساد، بينما استمرت الحركة الطلابية في صربيا بالمطالبة بالمساءلة السياسية بعد كارثة انهيار محطة قطارات في نوفي ساد عام 2024.
وتشير بيانات الصحيفة إلى أن معظم الاحتجاجات كانت سلمية، رغم وقوع مواجهات واعتقالات في عدد من الدول.
وتكمن أهمية هذه الموجة في أنها لا تنتمي إلى تيار أيديولوجي واحد، فبعض المحتجين ينطلقون من مطالب اجتماعية تقليدية، مثل تحسين الخدمات العامة، بينما يركز آخرون على قضايا الحريات أو الفساد أو السكن.
كما أن المشاركين لا يتفقون بالضرورة، بشأن السياسات الخارجية، أو الهجرة، أو العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، لكنهم يلتقون عند نقطة أساسية هي شعور فئات واسعة، بأن المؤسسات السياسية لا تستجيب بالسرعة الكافية لتدهور ظروف المعيشة.
وتكتسب هذه المشكلات أهمية خاصة بالنسبة إلى الشباب الذين يدخلون سوق العمل في ظل ارتفاع تكاليف السكن والطاقة والتعليم.
وقد سجل الاتحاد الأوروبي ارتفاعاً تراكمياً في الأسعار منذ عام 2022، ما جعل بعض الخدمات والاحتياجات الأساسية أكثر كلفة حتى في الدول التي تباطأ فيها التضخم لاحقاً.
وتواجه الحكومات الأوروبية اختباراً مزدوجاً، في الاستجابة للمطالب الاقتصادية والاجتماعية، والحفاظ على الحق في التظاهر السلمي دون التساهل مع أعمال العنف، وتكشف هذه الموجة أن السياسة الأوروبية لا تُصنع داخل البرلمانات وحدها، فالشارع عاد ليصبح مساحة مؤثرة في تحديد أولويات الحكومات.