لندن - سدن
لم يعد القطب الشمالي بالنسبة إلى أوروبا مجرد منطقة جليدية بعيدة تستحق الحماية البيئية، فقد أصبح جزءاً من حسابات الأمن والطاقة والمواصلات والاتصالات، في تحول يعكس اتساع المنافسة الجيوسياسية على المناطق التي كانت حتى وقت قريب خارج الاهتمام السياسي اليومي.
وفي 20 أكتوبر، أعلنت المفوضية الأوروبية والممثل الأعلى للسياسة الخارجية استراتيجية جديدة للقطب الشمالي، تمنح الأمن والقدرة على مواجهة التهديدات مكانة أكثر وضوحاً إلى جانب المناخ والتنمية الاقتصادية.
وتختلف الاستراتيجية الجديدة عن المقاربة الأوروبية السابقة التي ركزت بدرجة أكبر على حماية البيئة والتعاون العلمي.
فالتغير المناخي يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة في المنطقة بوتيرة أسرع من المتوسط العالمي، ما يفتح طرقاً بحرية جديدة ويزيد إمكانية الوصول إلى الموارد الطبيعية.
لكن هذه التحولات تخلق في الوقت نفسه تحديات أمنية، فالسفن التجارية والعسكرية أصبحت أكثر حضوراً في بعض المناطق، بينما تتزايد أهمية الكابلات البحرية وشبكات الاتصالات والأقمار الصناعية.
وتنص الاستراتيجية الأوروبية على تعزيز مراقبة الأنشطة البحرية، وتحسين القدرة على التعامل مع التهديدات التي تشمل التخريب والتشويش الإلكتروني وتعطيل البنية التحتية.
كما تتضمن دعم مشروع كابل اتصالات بحري يربط غرينلاند بأوروبا، وتطوير الاتصالات الفضائية الحكومية.
وتكتسب هذه المشروعات أهمية لأنها تقلل اعتماد بعض المناطق على شبكات اتصال يمكن أن تتعرض للانقطاع أو التأثير الخارجي.
وتناولت (فايننشال تايمز) التحول الأوروبي اليوم، مشيرة إلى أن المخاوف المتعلقة بروسيا وتغير مواقف واشنطن من غرينلاند ساهمت في زيادة الاهتمام الأمني بالمنطقة.
فروسيا تمتلك وجوداً عسكرياً وبحرياً واسعاً في المناطق القطبية، بينما أصبحت غرينلاند موضوعاً لخلافات سياسية متكررة بسبب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن مستقبل الجزيرة.
وتواجه أوروبا هنا وضعاً حساساً، فالدنمارك، التي ترتبط بها غرينلاند دستورياً، عضو في الاتحاد الأوروبي، لكن غرينلاند نفسها ليست جزءاً من الاتحاد، كما أن أمن المنطقة يعتمد على التعاون مع دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي، بينها الولايات المتحدة وكندا والنرويج، ولهذا لا تستطيع بروكسل التعامل مع القطب الشمالي باعتباره مجالاً أوروبياً خالصاً.
وتسعى الاستراتيجية أيضاً إلى تطوير الموانئ والسكك الحديدية والبنية التحتية للطاقة، مع دعم فرص اقتصادية للسكان المحليين والمجتمعات الأصلية.
لكن توسيع الأنشطة الصناعية والنقل البحري قد يخلق توترات مع أهداف حماية البيئة.
وتكشف هذه التطورات عن تغير في مفهوم الأمن الأوروبي، الذي لم يعد يقتصر على الحدود البرية الشرقية أو البحر المتوسط، فالكابلات البحرية والممرات القطبية والاتصالات الفضائية أصبحت عناصر أساسية في حماية الاقتصاد والدفاع الأوروبيين.