منذ عقود والباحثون الأتراك والمُهتمون بالتاريخ العثماني يتداولون معلومة تحولت مع مرور الزمن إلى ما يُشبه "اللغز" أو "الأسطورة"، وتقول أن الكاتب الخاص والمؤتمن على أسرار السلطان عبدالحميد الثاني "عزت باشا العابد" والذي لازمه لثلاثة عشر عاماً، قد كتب يومياته أثناء فترة خدمته للسلطان، ودوّن فيها كثيراً مما كان يجري في كواليس السلطنة في واحدةٍ من أهم وأخطر مراحلها قبل انهيارها، وفيها الكثير من الأسرار والخفايا. ولكن لا يوجد أي شخصٍ يعرف على وجه الدقة إن كانت هذه اليوميات موجودة فعلاً، أم هي مجرد أسطورة!
وعلى مدى عقود، بحث كثيرٌ من المهتمين ومن أفراد عائلة العابد عن هذه اليوميات، ولم يجدوا لها أي أثر. ولكن، كان لمُفارقات الأيام كلمة أخرى. ففي عام 2010 وصلت معلومة إلى أحد أحفاد عزت العابد "واسمه علي ضياء" في أمريكا من بنك كريدي سويس بمدينة لوزان السويسرية، تخبره فيها بوجود صندوق أمانات باسمه تم استئجاره من جدته لمعة خانم - الإبنة الصغرى لعزت ـ عام 1973، وقد دفعت وقتها قيمة الاستئجار إلى عام 2010, وأن عليه استلام ما بداخل هذا الصندوق، أو دفع قيمة استئجار إضافية، وإلا سيقوم البنك مُضطراً بإتلاف محتويات هذا الصندوق. لم يكن لدى علي ضياء أي عِلمٍ بخصوص الصندوق، وربما كانت جدته تنوي إخباره به حين تشعر باقتراب الموت، ولكن موتها المُفاجئ ربما لم يُسعفها في ذلك.
ولظروف مرضه، أرسل وكيلاٍ له من أفراد العائلة إلى لوزان، وتم فتح الصندوق بالفعل، فوجد الدفاتر الخمسة "الأسطورة" للجد عزت باشا العابد أمام عينيه!. فأخذها معه إلى إسطنبول، وكانت مكتوبة باللغة العثمانية ذات الحرف العربي، ومرقمة من 1 إلى 5، ومجموع صفحاتها 570 صفحة. وكان وجود هذه الدفاتر خبراً مُفاجئاً في الأوساط التركية، وتم الاستعانة بدار الوثائق العثمانية للتحقق من تاريخ كتابة هذه الدفاتر، والتأكد من الخط، ومطابقته مع خط عزت العابد في الوثائق القديمة للتأكد من نسبة هذه اليوميات له.. وبعد عملٍ طويلٍ عليها، صدرت هذه اليوميات بنسخة مصورة عن المخطوطات الأصلية لأول مرة في عام 2018, وأثارت الكثير من الجدل في الأوساط السياسية والثقافية والتاريخية التركية.
يتضمن هذا الكتاب التعريب الكامل لهذه اليوميات عن أصلها العثماني، وهي تُعد من أهم المصادر التي تكشف الكواليس اليومية في قصر يلدز، وقد سجل فيها عزت العابد ما أبصره وما سمعه في قلب إسطنبول، حيث تُدار شؤون إمبراطورية تتمزق من البلقان إلى الحجاز. ودوّن يوماً بيوم أسرار الحكم وأحاديث السلطان، ونقل هموم الرعية وتدبير الوزراء، ومساعي الإصلاح وصراعات الصعاليك والأشقياء، وأخبار المحيطين بالعرش من رجالات وسفراء ورأسماليين وخونة ومخلصين. وكتب فيها كيف كانت تُشترى الذمم وتُخترق الأسرار، وكيف تتقاطع الوطنية الصادقة مع أخس النزوات. وشرح كيف كان السلطان عبدالحميد يتخذ قراراته ويدير صراعاته، وتحدث عن البيرقراطية العثمانية وطبيعة الدولة العميقة في السلطنة، ونفوذ رجال الاتحاد والترقي وحزب تركيا الفتاة، وسعيهم للسيطرة على مقاليد الحكم، وصراعات المال والنفوذ، والديون المتراكمة على السلطنة، والخلاف حول عهد التنظيمات، وإدارة النزاعات بين وزراء الدولة وعمّال الولايات، وشبكات الولاء والنفوذ في الباب العالي.
قام بتعريب هذه المخطوطات محمد عثمانلي الحائز على الدكتوراة في التاريخ الحديث من جامعة باموك كاله (Pamukkale)، والباحث في فلسفة التاريخ ومناهج الكتابة التاريخية، والمتخصص بعلم المخطوطات العربية والعثمانية، وباستقراء المصادر الأرشيفية الأولية. وقد صدرت النسخة العربية في 1035 صفحة، عن دار جسور للترجمة والنشر في بيروت، بعنوان:
من الصندوق الأسود للسلطان عبدالحميد
أسفار الحبر والدمع والنار
يوميات عزت باشا العابد
1897 - 1909