واشنطن - سدن
لا يزال ملف السلاح خارج سلطة الدولة يمثل أحد الاختبارات الأساسية للحكومة العراقية، خصوصاً في ظل التحولات الإقليمية والضغوط المرتبطة بالحرب مع إيران، فالمشكلة لا تتعلق بوجود مخازن سلاح أو منصات إطلاق فحسب، بل ببنية سياسية وأمنية واقتصادية تسمح لبعض الفصائل بالاحتفاظ بقدرات مستقلة عن القرار الحكومي.
وتشير تحليلات (مشروع التهديدات الحرجة) و(معهد دراسة الحرب) إلى أن جهود نزع السلاح تواجه تحديات تتعلق بانقسام الفصائل، واستمرار شبكات الدعم الإيراني، وقدرة بعض الجماعات على إعادة تنظيم نفسها، وفي تقرير سابق استند إلى معلومات نقلتها (واشنطن بوست)، وردت مزاعم بأن منشقين عن عصائب أهل الحق أسسوا جماعة مسلحة جديدة بدعم إيراني، بعد خلافات بشأن تسليم الأسلحة.
وتوضح هذه الحالة مشكلة أعمق من مسألة الكميات التي تُسلَّم إلى الحكومة، فقد تعلن جماعة استعدادها للتعاون مع الدولة، لكن ذلك لا يضمن أن جميع أجنحتها أو مخازنها أو شبكاتها اللوجستية ستخضع للقرار نفسه، وقد يؤدي الضغط على التنظيمات إلى انشقاقات أو إعادة توزيع السلاح بين جماعات مرتبطة بها، بدلاً من إلغاء القدرة المسلحة المستقلة.
وهناك أيضاً جانب سياسي، فبعض الفصائل يمتلك تمثيلاً داخل المؤسسات، وشبكات اقتصادية، ونفوذاً محلياً، وروابط مع جهات خارجية، وهذا يجعل عملية حصر السلاح مرتبطة بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والأحزاب والمؤسسات الأمنية، لا بقرار عسكري منفرد.
وتواجه الحكومة العراقية معادلة صعبة، فهي تحتاج إلى تجنب الصدام الداخلي واسع النطاق، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بإثبات أن القرار الأمني لا يمكن أن يُتخذ خارج مؤسسات الدولة، وأي صيغة تسمح بتسليم جزء من الأسلحة مع الإبقاء على قدرات هجومية مستقلة قد تخفف التوتر مؤقتاً، لكنها لا تحل المشكلة الاستراتيجية.
ولا يعني ذلك أن كل فصيل أو كل سلاح غير خاضع بالكامل للمؤسسات يمثل الحالة نفسها، فالتقييم يحتاج إلى التمييز بين التشكيلات القانونية، والتسلسل القيادي الفعلي، والقدرة على إصدار الأوامر وتنفيذها. لكن المعيار النهائي يجب أن يكون واضحاً: من يملك سلطة استخدام القوة، ومن يحاسب من يستخدمها؟
وبحسب (واشنطن بوست)، فان نجاح حصر السلاح لا يقاس بالصور الرسمية أو البيانات السياسية، بل بقدرة الدولة على التحقق من المخازن، وفرض الرقابة على الحدود، ومنع إعادة التسلح، وضمان خضوع كل تشكيل مسلح لسلسلة قيادة قانونية واحدة.
كما ان بغداد تحتاج إلى مسار تدريجي قابل للقياس، يجمع بين التسجيل والتحقق والتسليم الفعلي، وإعادة دمج الأفراد المؤهلين وفق قواعد واضحة، ومحاسبة من يرفض الالتزام بالقانون، الامر الذي يحتم تقوية المؤسسات الأمنية والقضائية حتى لا تتحول عملية حصر السلاح إلى تفاوض دائم بين الحكومة والجماعات المسلحة.
والاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت الدولة ستنتقل من إدارة التوازنات بين الفصائل إلى فرض قواعد موحدة على الجميع، من دون انتقائية أو استثناءات سياسية.