الشرق الأوسط الجديد: طموح قديم وقرن من التجارب الفاشلة والبحث عن نظام مستدام (1-3) جسر فيكتوريا.. على جانبي النهر اسم ملكة لم تأتِ العراق وسوريا.. حين تفتح الزيارات الدينية أبواب السياسة الخنجر يزور معرض أربيل الدولي للكتاب برفقة العلامة بشار عواد معروف.. رسالة تقدير للعلم والثقافة الزيدي يترأس اجتماعاً أمنياً في ظل تحذيرات خامنئي من مواجهة جديدة وتلويح بتوسيع نطاق الأهداف بغداد تنفي اقتراض 16 تريليون دينار لكن أسئلة عجز الموازنة تبقى مفتوحة البحرين تطلق مساعداً بالذكاء الاصطناعي لخدمات سوق العمل على مدار الساعة زيلينسكي يصل إلى إسطنبول للقاء أردوغان وبحث أمن البحر الأسود ومسار التفاوض  إعلان أنقرة يعزز التعاون التركي - الآسيوي ويؤكد دعم وحدة سوريا وحل الدولتين للقضية الفلسطينية أكثر من 9,950 قتيلاً من جنوب روسيا في حرب أوكرانيا وفق قوائم الرصد المحلي الأمم المتحدة: ربط الخليج بالمشرق والبحر المتوسط يمكن أن يرفع النمو ويوسع فرص العمل وفيات إيبولا في الكونغو الديمقراطية تتجاوز خمسة آلاف مع اتساع التفشي إلى ثماني مقاطعات حرب إيران تلاحق ترامب إلى صناديق الاقتراع.. هل يدفع الجمهوريون ثمن المواجهة؟ عدد سكان العالم العربي يبلغ 511 مليون نسمة والتقديرات تشير إلى 718 مليوناً بحلول 2050 أذربيجان تبحث الانضمام إلى اتفاقية مكة لمكافحة الفساد وتعزيز التعاون القضائي الإسلامي حكومة شرق ليبيا تطلب دعماً برلمانياً لمفاوضات الحدود البحرية والبرية مع مصر غوتيريش من القاهرة: لا سلام دائماً في الشرق الأوسط من دون حقوق الفلسطينيين الانتخابات الإسرائيلية تنتهي بتعادل سياسي يترك نتنياهو ومنافسه أمام مفاوضات معقدة طهران تصف المقترحات القطرية لإنهاء الحرب بأنها (غير مقبولة) وسط تعثر الوساطة السعودية توافق على مذكرة تعاون مع سوريا لتطوير الخدمات البلدية والإسكان السوداني يواجه تصعيداً داخل البرلمان بعد إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي الشرع والزيدي يبحثان في دمشق شراكة اقتصادية وأمن الحدود وخط كركوك - بانياس السلاح خارج الدولة في العراق.. لماذا لا تكفي بيانات التسليم لإنهاء نفوذ الفصائل؟ سبعة مؤشرات مناخية عند مستويات قياسية.. هل يقترب العالم من مرحلة أكثر اضطراباً؟ الكوكايين في بريطانيا.. تعاطٍ في أعمار أكبر ووفيات متزايدة تكشف أزمة صحية واجتماعية الحرب عائدة... بإرادة أطرافها جميعاً خميس الخنجر في نينوى.. تعزية ذوي ضحايا داعش ورسائل إلى الشارع السني السجن 8 سنوات لمدير عام شركة توزيع المنتجات النفطية وإلزامه بردّ 55 مليار دينار وتوقيف 13 متهماً في قضية هدر أكثر من 6 مليارات دينار بقطاع الكهرباء الحلبوسي يتدخل في أزمة ترقيات ضباط الداخلية ويحيل الملف إلى لجنة الأمن والدفاع مسعود بارزاني وجمال الضاري يبحثان تطورات المشهد العراقي وتداعيات الأوضاع الإقليمية الانتخابات الإسرائيلية تدخل ساعاتها الحاسمة وسط مشاركة مرتفعة وترقب لمصير نتنياهو السعودية وإيران وتركيا وباكستان تتفق على مواصلة الحوار لتجنب تصعيد إقليمي أوسع الصين توجه رسالة إلى طوكيو عبر تأبين رئيس الوزراء الياباني الأسبق ياسو فوكودا اتصال نادر بين قادة فنلندا والنرويج وبوتين يمهد لاتصالات محتملة بشأن أوكرانيا الاتحاد الأوروبي يطلب من الدول الاستعداد لعالم أكثر حرارة ومخاطر مناخية متصاعدة لندن وبروكسل تبحثان تسوية لخلاف (صُنع في أوروبا) لحماية الصناعات البريطانية النفط يتراجع قليلاً مع رهانات على الدبلوماسية والمخاطر الأمنية تبقي الأسعار مرتفعة أسهم التكنولوجيا الآسيوية تنتعش مع تصاعد رهانات المستثمرين على الذكاء الاصطناعي تفشي إيبولا في الكونغو يتجاوز عشرة آلاف إصابة مؤكدة وسط صعوبات في احتواء العدوى تحذيرات علمية من تراجع قدرة الولايات المتحدة على التنبؤ بظواهر الطقس المتطرفة الأردن وسوريا تتفقان على تشكيل لجنة أمنية مشتركة لاحتواء تداعيات ضربات استهدفت (داعش) في درعا الأسواق العالمية تترقب أسبوعاً حاسماً للبنوك المركزية وشركات التكنولوجيا الكبرى سوريا توقّع عقداً بـ147 مليون دولار لتأهيل طريق يربط دمشق بالحدود العراقية هزيمة انتخابية تاريخية لألكسندر فوتشيتش في صربيا تفتح مرحلة سياسية جديدة مساعٍ إقليمية لاحتواء التصعيد بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة وسط توتر الملاحة في هرمز
تفكيك

الشرق الأوسط الجديد:
طموح قديم وقرن من التجارب الفاشلة والبحث عن نظام مستدام (1-3)

1 نوفمبر 2026
الشرق الأوسط الجديد:
طموح قديم وقرن من التجارب الفاشلة والبحث عن نظام مستدام (1-3)
حجم الخط

هل فكرة الشرق الأوسط الجديد جديدة حقاً، أم أنها ليست سوى التعبير الأحدث عن طموح ظل يطارد المنطقة لأكثر من قرنين؟ وبعد تدخلات إمبراطورية متعاقبة، وحركات ثورية، ومشروعات قومية، وديكتاتوريات عسكرية، وتجارب أيديولوجية، وحروب مدمرة، يبرز سؤال أكثر جوهرية: هل اقترب الشرق الأوسط يوماً من إقامة نظام مستقر ومزدهر ومستدام سياسياً، كما وعد كثير من الذين سعوا إلى إصلاحه؟

تقتضي الإجابة النظر إلى ما وراء اللغة السياسية الراهنة، وفحص الاستمرارية التاريخية لهذا الطموح نفسه. قد يكون تعبير «الشرق الأوسط الجديد» حديثاً نسبياً، لكن الرغبة في إعادة تنظيم المنطقة، وإعادة تشكيل جغرافيتها السياسية، والسيطرة على مواردها الاستراتيجية، وتحديد طبيعة مستقبلها، أقدم بكثير. فعلى مدى أكثر من قرنين، سعت قوى وحركات متعاقبة إلى تحويل الشرق الأوسط وفقاً لمصالحها الاستراتيجية، وقناعاتها الأيديولوجية، ورؤاها للنظام السياسي. وقد جاءت بعض هذه القوى باسم الحضارة، وأخرى باسم التحرر الوطني، أو النهضة الدينية، أو الوحدة العربية، أو الاشتراكية، أو الديمقراطية، أو الهيمنة الإقليمية. ومع اختلاف الوعود التي قدمتها اختلافاً جذرياً، واجه كثير منها مشكلة متشابهة؛ إذ سعت إلى تحويل المنطقة من خلال تركيز السلطة، وفرض تصورات سياسية، وإخضاع المجتمعات لمشروعات وضعها حكام أو ثوار أو عواصم أجنبية.

لذلك، فإن تاريخ الشرق الأوسط الجديد ليس مجرد تاريخ لتدخلات أجنبية فاشلة، بل هو أيضاً تاريخ لثورات داخلية أخفقت، وتحديث سلطوي، وتطرف أيديولوجي، وحركات سياسية وعدت بالتحرر، لكنها كثيراً ما أعادت إنتاج هياكل الهيمنة التي ادعت أنها تسعى إلى إلغائها. وقد تمثلت المأساة الأساسية في الافتراض المتكرر بأن المنطقة يمكن تحويلها بواسطة من يمتلك القوة العسكرية الكافية، أو الإرادة الثورية، أو اليقين الأيديولوجي. غير أن التاريخ أثبت أن القدرة على تدمير نظام قائم لا تعني امتلاك القدرة على بناء نظام أفضل.

نابليون وبداية عصر استراتيجي جديد

لفهم الجذور التاريخية لهذا الطموح، علينا العودة إلى عام 1798، حين قاد نابليون بونابرت حملة فرنسية إلى مصر. وكانت الحملة تهدف أساساً إلى تقويض المصالح التجارية والاستراتيجية البريطانية، ولا سيما صلات بريطانيا بالهند، مع توسيع النفوذ الفرنسي في شرق البحر المتوسط. ولم تكن آنذاك مشروعاً لإنشاء شرق أوسط جديد بالمعنى الحديث، لكنها شكلت نقطة تحول مهمة في العلاقة بين القوة الأوروبية ومجتمعات المنطقة.

جمعت حملة نابليون بين الغزو العسكري والبحث العلمي والدراسة التاريخية وإبراز الهيبة الإمبراطورية. وإلى جانب جنوده، اصطحب علماء ومهندسين وفنانين وباحثين أسهم عملهم في تطوير الدراسات الأوروبية حول مصر القديمة. وأظهرت الحملة كيف يمكن أن ترافق القوة العسكرية عمليات جمع المعرفة وتصنيف المجتمعات وصياغة سرديات تقدم من خلالها قوة خارجية تدخلها بوصفه مهمة للتنوير والتقدم. غير أن التناقض كان واضحاً؛ فقد رافقت لغة المعرفة والحضارة حملةً سعت إلى غزو مجتمع أجنبي والسيطرة عليه.

انتهت حملة نابليون بالفشل في نهاية المطاف. فقد دمر البريطانيون الأسطول الفرنسي في معركة أبي قير البحرية عام 1798، وعاد نابليون إلى فرنسا عام 1799، وأُجليت القوات الفرنسية من مصر عام 1801. وفي عام 1799، كان نابليون قد غزا أيضاً بلاد الشام العثمانية، متقدماً عبر غزة ويافا باتجاه عكا، قبل أن يتخلى عن حملته. وقد كشف عجزه عن الاستيلاء على عكا حدود القوة العسكرية الفرنسية، وأظهر أن المنطقة لا يمكن إخضاعها ببساطة وفق جدول زمني إمبراطوري.

ومع ذلك، فإن الأهمية الاستراتيجية للحملة تجاوزت إخفاقها العسكري. فقد أصبح موقع مصر بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، وأهمية شرق البحر المتوسط، والطرق التي تربط أوروبا بالهند، عناصر متزايدة الأهمية في الحسابات الاستراتيجية الأوروبية. ولم تُكتشف المنطقة فجأة عام 1798؛ فقد كانت ملتقى مهماً للتجارة والإمبراطوريات والأديان والحضارات على مدى آلاف السنين. لكن ما تغير هو كثافة التدخل الأوروبي الحديث وطبيعته.

وخلال القرن التاسع عشر، وسعت القوى الأوروبية انخراطها السياسي والاقتصادي والعسكري في أراضي الإمبراطورية العثمانية. واحتلت بريطانيا مصر عام 1882، وأصبحت لاحقاً القوة الخارجية المهيمنة فيها. كما أدى افتتاح قناة السويس عام 1869 إلى تغيير الأهمية الاستراتيجية لمصر، من خلال إنشاء طريق بحري أقصر بين أوروبا وآسيا. ومع تزايد اعتماد المصالح الإمبراطورية البريطانية في الهند على تأمين هذا الممر، ازدادت أهمية السيطرة على المنطقة المحيطة به.

وبالتدريج، أصبح الشرق الأوسط ساحة مركزية للتنافس الدولي. ولم تنبع أهميته من مورد واحد أو ميزة جغرافية منفردة، بل من تقاطع الطرق البحرية، والاتصالات الإمبراطورية، والمصالح التجارية، والأهمية الدينية، والقرب من أراضي الإمبراطوريات المتنافسة. وقبل وقت طويل من دخول عبارة «الشرق الأوسط الجديد» إلى الخطاب السياسي، كانت الأسس الاستراتيجية للتدخل الخارجي قد ترسخت بالفعل.

ابتكار مصطلح الشرق الأوسط وسياسة الجغرافيا

يرتبط ظهور التعبير الحديث «الشرق الأوسط» إلى حد كبير ببداية القرن العشرين. ورغم أن المصطلح ظهر في وقت أسبق، فإن الاستراتيجي البحري الأمريكي ألفريد ثاير ماهان ساعد على نشره عام 1902، عندما استخدمه لوصف المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية المحيطة بالخليج العربي. وعكست هذه التسمية وجهة نظر القوى الخارجية، التي عُرّفت المنطقة بالنسبة إليها جزئياً بموقعها بين أوروبا والشرق الأقصى، وبأهميتها للاتصالات البحرية والأمن الإمبراطوري.

وهذا التمييز مهم. فالمجتمعات التي جُمعت اليوم تحت مسمى الشرق الأوسط لم تنشأ في القرن العشرين. إذ إن تاريخها وتقاليدها السياسية ولغاتها ومجتمعاتها الدينية وشبكاتها التجارية وروابطها الثقافية سبقت بكثير المصطلح الذي فُرض عليها. ولم تكن المنطقة كياناً سياسياً أو ثقافياً واحداً ينتظر أن تعيد سلطة خارجية تنظيمه؛ بل ضمت شعوباً وتقاليد سياسية مختلفة، تراوحت علاقاتها بين التعاون والتعايش والمنافسة والحرب.

ومع ذلك، ارتبطت المصطلحات الجغرافية تدريجياً بالتخطيط الجيوسياسي. فتسمية منطقة لا تعني بالضرورة السيطرة عليها، لكن الطريقة التي تُعرّف بها المنطقة يمكن أن تؤثر في الكيفية التي تتصور بها القوى الخارجية مصالحها الاستراتيجية، وتحدد حدودها، وتنظم سياساتها تجاهها.

وعزز تزايد أهمية النفط هذا التحول. ففي أوائل القرن العشرين، بدأ النفط يغير الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى. وبدأ التنقيب عنه في العراق في أوائل القرن العشرين، بينما أرسى اكتشاف النفط بكميات تجارية مهمة في جنوب غرب إيران عام 1908 أسس صناعة نفطية كبرى. وفي العراق، شكل اكتشاف حقل كركوك عام 1927 محطة مفصلية. واكتشفت البحرين النفط عام 1932، كما اكتُشف النفط بكميات تجارية مهمة في السعودية عام 1938. وقد حدثت هذه التطورات على مدى عدة عقود، ولم تكن جزءاً من اكتشاف واحد منسق.

ولم تكن المنافسة على النفط مجرد صراع بين الشركات الغربية وسكان إقليميين موحدين؛ بل شاركت فيها شركات أوروبية وأمريكية، وحكومات عثمانية وحكومات الدول التي خلفتها، وحكام محليون، وممولون، ونخب وطنية صاعدة. وقبل الحرب العالمية الأولى، أصبحت شركة النفط التركية، التي تأسست عام 1912، أداة رئيسية للمصالح المتنافسة في نفط بلاد الرافدين. وعكست ملكيتها والدعم السياسي الذي حظيت به التنافس الأوسع بين المصالح البريطانية والألمانية وغيرها من المصالح الأوروبية. وبعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، أُعيد تنظيم الشركة، وأصبحت في نهاية المطاف شركة نفط العراق.

وفي عام 1928، أضفى اتفاق الخط الأحمر طابعاً رسمياً على التعاون بين عدد من المصالح النفطية الكبرى، وقيّد قدرتها على السعي بصورة مستقلة للحصول على امتيازات نفطية داخل منطقة واسعة ارتبطت بأراضي الإمبراطورية العثمانية السابقة. وأظهر الاتفاق كيف أصبح التنظيم التجاري لموارد المنطقة متشابكاً مع التسوية السياسية التي أعقبت الحرب.

لم ينشئ النفط الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط، لكنه زادها بصورة كبيرة. فقد أثرت موارد المنطقة في التنمية الصناعية، والتخطيط العسكري، والعلاقات الدبلوماسية، والسياسات الاقتصادية الدولية لأجيال. كما أوجد النفط تناقضاً مستمراً؛ إذ أتاح إمكانية تحقيق ثروات عامة هائلة والتحديث والتنمية، لكنه جعل الدول والمجتمعات عرضة أيضاً للتنافس الخارجي، والترتيبات التجارية غير المتكافئة، والفساد الداخلي، والصراعات حول توزيع الدخل القومي.

ومنذ تلك المرحلة، لم يعد من الممكن فصل مسألة من يسيطر على الشرق الأوسط تماماً عن مسألة من يسيطر على موارده.

أول إعادة تشكيل كبرى: انهيار الإمبراطورية العثمانية

هيأت الحرب العالمية الأولى الظروف لإحدى أكثر عمليات إعادة التشكيل تأثيراً في التاريخ الحديث للشرق الأوسط. فعلى مدى قرون، حكمت الإمبراطورية العثمانية معظم العالم العربي، وإن تفاوتت سلطتها بدرجة كبيرة بين الولايات المختلفة ومن فترة إلى أخرى. وقد فتح انهيار الإمبراطورية الطريق أمام نشوء دول وحدود وأنظمة إدارية ومشروعات قومية متنافسة.

وخلال الحرب، تفاوضت بريطانيا وفرنسا بشأن الترتيبات المتعلقة بالأراضي التي توقعتا الاستحواذ عليها أو بسط نفوذهما عليها بعد هزيمة الدولة العثمانية. وأصبح اتفاق سايكس بيكو لعام 1916 أشهر مثال على هذه المفاوضات. ولم يكن الاتفاق الأداة الوحيدة التي حددت مستقبل المنطقة، كما أن الحدود التي رُسمت لاحقاً لم تكن مجرد تطبيق لكل بنوده. ومع ذلك، فقد جسّد مدى تعامل القوى الأوروبية مع أراضي ما بعد الحرب باعتبارها موضوعاً للمفاوضات الاستراتيجية.

وبعد الحرب، وضع نظام الانتداب الذي أُنشئ في إطار عصبة الأمم العراق وفلسطين تحت الإدارة البريطانية، وسوريا ولبنان تحت الإدارة الفرنسية. وقد قُدمت هذه الترتيبات بلغة المسؤولية الدولية والإعداد للحكم الذاتي، لكنها أبقت في الوقت نفسه على قدر كبير من السيطرة الأوروبية على التطور السياسي للمنطقة.

ولم تنشئ القوى الأوروبية النظام الجديد وحدها؛ فقد أسهم القادة المحليون والحركات السياسية والسلطات القبلية والنخب الحضرية والتنظيمات القومية الناشئة في تشكيل نتائجه. ومع ذلك، فإن الإطار الذي خاضت هذه الأطراف صراعاتها داخله كان قد تغير بصورة عميقة بفعل القرارات الإمبراطورية.

وكانت العواقب طويلة الأمد. فقد قسمت الحدود الجديدة بعض المجتمعات، وجمعت مجموعات سكانية مختلفة داخل هياكل سياسية مشتركة، وأوجدت نزاعات حول الأراضي والتمثيل والسيادة. وفي بعض الحالات، تطورت المؤسسات الجديدة في نهاية المطاف إلى دول وطنية فاعلة. وفي حالات أخرى، ظلت شرعية النظام السياسي المتنازع عليها والانقسامات الاجتماعية التي لم تُحسم مصادر خطيرة لعدم الاستقرار.

ولا يتمثل الدرس الأساسي في أن كل حدود الشرق الأوسط الحديثة كانت مصطنعة، أو أن المنطقة كانت ستظل سلمية لولا التدخل الأوروبي. فقد كانت مجتمعات الإمبراطورية العثمانية السابقة تضم بالفعل اختلافات سياسية واجتماعية عميقة، ولم تكن الصراعات المحلية اختراعاً للقوى الأجنبية. لكن المشكلة الأعمق تمثلت في أن تسوية ما بعد الحرب أعطت الأولوية، في كثير من الأحيان، للمصالح الإمبراطورية والاعتبارات الاستراتيجية على حساب إنشاء ترتيبات سياسية تحظى بقبول واسع من السكان المعنيين.

ففرض نظام سياسي على خريطة أسهل بكثير من إضفاء الشرعية عليه في أذهان الناس المتوقع منهم العيش في ظله.

الاستقلال من دون تسوية سياسية مستدامة

أضعفت الحرب العالمية الثانية الإمبراطوريات الأوروبية، وسرّعت حركة الاستقلال. وفي أنحاء العالم العربي، أصبحت القومية أداة قوية للتعبئة السياسية. وطورت العراق وسوريا ولبنان والأردن ودول أخرى مؤسساتها السياسية الخاصة، بينما أحدثت ثورة مصر عام 1952 تحولاً في المشهد السياسي الإقليمي. وسلكت إيران وتركيا ودول الخليج الناشئة مسارات تاريخية مختلفة، تشكلت وفق بنياتها الاجتماعية ومؤسساتها وظروفها الاستراتيجية الخاصة.

لكن الاستقلال لم يحل تلقائياً المشكلات الموروثة من الحقبة الإمبراطورية، كما لم يضمن أن تصبح السلطة السياسية خاضعة للمساءلة أمام السكان الذين مورست باسمهم.

وفي عدد من البلدان، أُضعفت المؤسسات المدنية بفعل الانقلابات العسكرية والاستقطاب الأيديولوجي والتنافس بين النخب والصراعات حول توزيع السلطة. وقدم الجيش نفسه بصورة متزايدة باعتباره المؤسسة القادرة على إنقاذ الأمة من الفساد والهيمنة الأجنبية والتفكك السياسي. ووعد الضباط الثوريون بالتجديد الوطني والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والقطيعة الحاسمة مع الماضي.

لكن التدخل العسكري أفضى في حالات كثيرة إلى نتيجة مختلفة. فقد تركزت السلطة السياسية في أيدي حزب حاكم أو مؤسسة عسكرية أو قائد فرد. وأصبحت المعارضة تُعامل بصورة متزايدة باعتبارها تهديداً للوحدة الوطنية، بدلاً من كونها جزءاً مشروعاً من الحياة السياسية. وتوسعت المؤسسات الأمنية، وقُيدت المنظمات المستقلة، وتآكل تدريجياً التمييز بين الدولة والنظام الحاكم.

وكان هذا أحد أبرز التناقضات في السياسة الحديثة للشرق الأوسط. فالقادة الذين ادعوا أنهم يبنون دولاً قوية أضعفوا في كثير من الأحيان المؤسسات اللازمة لجعل تلك الدول قادرة على الصمود. وقد ركزوا السلطة من أجل التغلب على التفكك، لكنهم جعلوا النظام السياسي، بفعل ذلك، أكثر اعتماداً على بقاء حاكم بعينه أو ائتلاف حاكم محدد.

وأصبحت الدولة قوية في قدرتها على إصدار الأوامر والعقاب والتعبئة، لكنها ظلت في كثير من الأحيان هشة في قدرتها على إدارة التنافس السياسي السلمي أو تجاوز انتقال السلطة.

فالدولة لا تكون قوية حقاً لمجرد أن سكانها يخشون حكومتها؛ بل تكمن قوتها الأعمق في مؤسسات تستطيع تطبيق القانون، وحماية المواطنين، وتسوية النزاعات، والحفاظ على الخدمات العامة، وضمان الاستمرارية السياسية حتى مع تغير القادة.

وشهد الشرق الأوسط الحديث، في أحيان كثيرة، بناء أنظمة حاكمة قوية من دون تطوير مماثل لمؤسسات مستدامة وخاضعة للمساءلة.

القومية العربية ووعد الوحدة

كان من بين أكثر المحاولات تأثيراً لإعادة تنظيم المنطقة من الداخل تيار القومية العربية، ولا سيما الحركة المرتبطة بالرئيس المصري جمال عبد الناصر. فقد نشأت الناصرية في أعقاب إخفاقات النظام السياسي القديم وهزيمة العرب في حرب عام 1948 مع إسرائيل، ووعدت بتجاوز التجزئة، وهزيمة الهيمنة الإمبراطورية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، واستعادة الكرامة السياسية للعالم العربي.

وكانت جاذبيتها واسعة. فقد قدمت لملايين الناس رؤية لهدف جماعي يتجاوز حدود الدول الفردية، ووعدت بأن المجتمعات العربية قادرة على تجاوز انقساماتها، وامتلاك ما يكفي من القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية لتشكيل مصيرها بنفسها.

وبدا أن قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا عام 1958 قرّب هذا الطموح من التحقق. غير أن الوحدة انهارت عام 1961، كاشفة صعوبة التوفيق بين خطاب الوحدة والتوزيع الفعلي للسلطة السياسية. فقد تزايد استياء الضباط والنخب السياسية السورية من هيمنة مصر، في حين قوض الهيكل المركزي للوحدة الاستقلالية التي تتطلبها الشراكة الحقيقية.

ولم يكن فشل التجربة يعني أن التعاون العربي مستحيل بطبيعته، بل أظهر أن الهوية المشتركة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع وحدها حل الخلافات المتعلقة بالمؤسسات والقيادة والمصالح الاقتصادية والسيادة الوطنية.

كما وجهت هزيمة الجيوش العربية في حرب يونيو/حزيران 1967 ضربة أخرى مدمرة لادعاء الحركة أن القومية الثورية قادرة على تغيير ميزان القوى الإقليمي. وظل عبد الناصر مؤثراً، لكن الوعد بالتجديد العسكري والسياسي السريع دخل أزمة عميقة.

وأنتجت القومية العربية نتائج مختلفة في بلدان مختلفة. ففي العراق وسوريا، ادعت الحركات البعثية السعي إلى تحقيق الوحدة العربية والاشتراكية والتجديد الوطني. لكن الأنظمة البعثية التي رسخت سلطتها في نهاية المطاف طورت دولاً أمنية شديدة المركزية. وتنافست الفصائل المتناحرة على السيطرة، وأصبح الولاء السياسي مرتبطاً بصورة متزايدة بأجهزة الحكم.

وفي العراق، أفضى استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1968 في نهاية المطاف إلى ديكتاتورية فردية بقيادة صدام حسين. وفي سوريا، رسخ حافظ الأسد سلطته عقب (الحركة التصحيحية) عام 1970، وأقام نظاماً سياسياً هيمن عليه منصب الرئاسة والمؤسسات الأمنية.

استخدم النظامان لغة النهضة الوطنية والمقاومة والوحدة، لكن أياً منهما لم ينشئ النظام السياسي العربي العابر للحدود الذي وعدت به الحركة في الأصل. وبدلاً من ذلك، تقدمت مصالح الدولة وبقاء النظام والتنافس العسكري وطموحات القيادات المتناحرة مراراً على حساب مثال الوحدة العربية.

وكان التناقض جوهرياً؛ فالحركة التي وعدت بتجاوز التجزئة السياسية أعادت إنتاجها في كثير من الأحيان، من خلال القومية السلطوية، والتنافس بين النخب الحاكمة، وقمع الحياة السياسية المستقلة.

ولا يتمثل الدرس في أن الهوية الوطنية أو التعاون العربي محكوم عليهما بالفشل، بل في أن الوحدة المفروضة عبر الهيمنة تختلف اختلافاً جوهرياً عن الوحدة القائمة على القبول.

شارك المقال f 𝕏 in