من عناق نيويورك إلى رحاب المسجد الأموي، تتحرك العلاقة السورية العراقية نحو مساحة سياسية جديدة، تحاول فيها الجغرافيا أن تستعيد صوتها، بعد سنوات طغت عليها لغة المليشيات والاصطفافات. ربما هي فرصة لبناء شراكة اقتصادية وأمنية وسياسية، لاستعادة هامش القرار الذي استنزفته الحروب والتدخلات الخارجية.
زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى دمشق تمنح هذا التحول صورة ملموسة. لكن قيمتها تتجاوز مشهد الاستقبال وحرارة المصافحة؛ فهي تضع أمام العاصمتين الجارتين سؤالاً تأخر طويلاً: هل تستطيعان بناء علاقة تقودها مصالح الدولتين، بعدما أثقلت الميليشيات والوصايات الإيرانية والإقليمية العلاقة بين الشعبين؟
لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال من دون تسمية الماضي. فقد أحكم النفوذ الإيراني قبضته على جانب واسع من العلاقة خلال سنوات الثورة السورية، عبر فصائل عراقية مرتبطة بطهران قاتلت إلى جانب نظام الأسد. وعبرت الحدود بسلاحها وولاءاتها، وأسهمت في تحويل الأرض السورية إلى ساحة لمشروع إقليمي تقدمت فيه مصالح طهران على حقوق السوريين وسيادتهم.
ترك ذلك التدخل إرثاً طائفياً ثقيلاً. ووُظفت المقامات والرموز الدينية في تعبئة المليشيات، ومنحت الحرب غطاءً مذهبياً مادته السوريون. ففي ذاكرتهم، بقيت صورة المسلحين القادمين من العراق للدفاع عن نظام يقتلهم ويهجّرهم، حتى كادت تحجب العراق، شعباً ومجتمعاً وتاريخاً.
أما اليوم بصفحة العلاقات السورية العراقية الجديدة، جاءت زيارة رئيس وزراء العراق الزيدي لدمشق، وحمل حضوره في المسجد الأموي ومقام السيدة زينب، رسائل برمزية سياسية تتجاوز الزيارة الدينية، ويمكن قراءة الجمع بين الموقعين باعتباره محاولة لفتح المجال الديني أمام التقارب، بعدما استُخدم في تعميق الانقسام. فالمكان الذي استُحضرت رمزيته لتبرير حضور المقاتلين الموالين لإيران لقتل السوريين، يعود مقصداً للزيارات الدينية والسياسية، لكن هذه المرة بسيادة الدولة السورية وبقرارها.
وعلى الصعيد الاقتصادي العراق يحتاج إلى تنويع منافذ تجارته وتصدير نفطه، وسوريا تحتاج إلى الاستثمار والطاقة والعمل والأسواق. ومن هذا المنظور، تحمل مباحثات نقل النفط العراقي عبر بانياس معنى يتجاوز عائدات العبور.
كما تفرض المياه نفسها ملفاً للتعاون. فالبلدان يتقاسمان تحديات الفرات والجفاف وتراجع الموارد، ويحتاجان إلى تنسيق يحمي الزراعة والأمن الغذائي، ويقوي قدرتهما على إدارة الأزمات والتفاوض بشأنها. أما التجارة والنقل وإعمار المعابر، فتستطيع تحويل الحدود من مصدر للقلق إلى مورد للعمل والتعافي.
امنياً، تبدو المعادلة أكثر إلحاحاً. فكل فراغ على أحد جانبي الحدود يمنح التنظيمات المتطرفة وشبكات التهريب فرصة للعودة. وكل تنسيق يحترم سيادة الدولتين يضيّق المساحة أمام القوى التي اعتادت العيش على ضعفهما. لذلك، فإن ضبط الحدود وحصر السلاح بيد المؤسسات يمثلان أساساً لأي شراكة قابلة للاستمرار.
سياسياً، لا توافق ولا منافسة بين البلدين، وكي يتعاونا، لا يحتاج العراق وسوريا إلى تطابق سياسي كامل، فقط إدراك تكلفة الخصومة تتجاوز قدرتهما على الاحتمال، وأن اختلافاتهما قابلة للإدارة حين تتقدم المصالح المشتركة. ويُقاس النضج السياسي للحكومتين الفتيتين. بقدرتهما على حماية هذا الإدراك من ضغوط الداخل وتجاذبات الخارج.
ومن هنا يمكن أن تنشأ نواة محور اقتصادي وأمني وسياسي، يمنح بغداد ودمشق وزناً أوسع في محيطهما، وقدرة أكبر على التفاوض وحماية قرارهما. وتتعزز قيمة هذا المحور ببداية تعافي البلدين.
لكن الامتحان الأصعب يبقى شعبياً. فالمصافحات الرسمية لا تمحو ذاكرة الحرب، والتطبيع بين المجتمعين يحتاج إلى وقت وعدالة وخطاب مسؤول. يحتاج السوري إلى الاطمئنان بأن العراق الذي يمد يده اليوم يحترم حريته وسيادته، ويحتاج العراقي إلى أن يرى في سوريا جاراً شريكاً بالجغرافيا والمياه والملفات الاقتصادية.
ويبقى أمام بغداد ودمشق فرصة لاستعادة العلاقة من إرث الميليشيات، والتحرر من نفوذ الخارج بقرار عراقي ثابت.
هذه هي السياسة لا ثابت فيها، لا عداوات أبدية ولا مصالح ثابتة. ومسؤولية الحكومات أن تمنع خلافات الأمس من مصادرة مستقبل الغد.