كتب: صالح العويتي
قبل أكثر من قرن، كان نهر بردى يجري مكشوفاً في المنطقة التي تُعرف اليوم بجسر فيكتوريا، تحيط به الأشجار والأراضي المفتوحة، وتعبره الجسور الواصلة بين ضفتيه. وكانت العربات التي تجرّها الخيول تنقل المسافرين بين دمشق وبيروت، انطلاقاً من محطة العجلات القريبة من النهر، في مشهد تختلف ملامحه كثيراً عما نراه اليوم.
تحفظ الصور التاريخية جانباً من تلك المرحلة، ففي صورة التقطها المصور دين بابيست شارلير عام ١٨٦٨، يظهر في الموقع جسراً خشبياً بدائياً يصل بين ضفتي بردى. ويذكر الباحث الراحل عماد الأرمشي، استناداً إلى مصادر تاريخية، أن أقدم جسر في المنطقة يعود إلى العصر المملوكي، حين بناه الأمير سيف الدين الجكمي عام 1444، الموافق 848 للهجرة.
كانت المنطقة تُعرف سابقاً بمحلة عين الوراقة، وتقع عند ملتقى الشرف الأعلى، الممتد من الهضبة الشمالية لبردى قرب قصر الضيافة القديم ومدرسة التجهيز، والشرف الأدنى المطل على الهضبة الجنوبية، حيث محطة الحجاز والحلبوني والمقابر الصوفية والتكية السليمانية.
وترتبط تسمية المكان بحكاية ألكسندرينا فيكتوريا، ملكة بريطانيا وإيرلندا والهند، فبحسب ما أورده الأرمشي في حديث سابق لصحيفة «الثورة السورية»، تتداول الرواية أن فندق فيكتوريا أُعدّ لاستقبال الملكة خلال زيارة مرتقبة إلى دمشق لم تتم وذلك عام١٨٧٩.
ومع تداول اسم الفندق تجاوز الاسم حدود المبنى ليشمل الجسر المجاور والمنطقة المحيطة به، حتى استقر في الاستعمال اليومي، ثم ظهر في سجلات دائرة الأملاك السلطانية بالمدينة، وفقاً للأرمشي.
أما الجسر الحديدي الجديد، فيرجّح الأرمشي أن إنشاءه يعود إلى عام 1895، وكان يصل بين ضفتي بردى بمحاذاة محطة العجلات، التي انطلقت منها رحلات المسافرين إلى بيروت بعربات تجرّها الخيول. وتكشف صورة التقطها سليمان حكيم عام 1898 عن الجسر ومحطة العجلات، كما تُظهر تجمع الناس على ضفاف النهر لمشاهدة ارتفاع منسوب مياهه.
لكن الجسر الحديدي لم يبقَ على حاله طويلاً، ففي عام 1925، استُبدل بجسر أوسع، ويربط الأرمشي هذا التغيير بحاجة سلطات الاحتلال الفرنسي إلى جسر يتناسب مع مرور الآليات العسكرية الثقيلة.
وجاء التحول الأكبر عام 1962، حين غُطّي مجرى بردى في محيط المرجة وجسر فيكتوريا. ومع اختفاء النهر عن المشهد اليومي، تبدلت صورة المنطقة، وحلّت الطرق والمساحات المعبدة مكان أجزاء من المشهد القديم.
اليوم، لا يظهر بردى في منطقة جسر فيكتوريا كما تحفظه الصور التاريخية، لكن الاسم لايزال حاضراً في ذاكرة دمشق، وبقيت حكاية الملكة التي لم تأتِ إلى المدينة جزءاً من تاريخ المكان.