لندن - سدن
تتحول مائدة الطعام في بعض المنازل إلى ساحة مفاوضات يومية بين الآباء والأطفال، فالطفل يرفض الخضراوات، والأم تحاول إقناعه بتناول لقمة إضافية، والأب يعده بالحلوى إذا أنهى طبقه، ثم ينتهي العشاء بتوتر لا يستمتع معه أحد بالطعام.
لكن مجموعة من الطهاة الذين تحدثوا إلى صحيفة (الغارديان) يقدمون تصوراً مختلفاً، حيث بناء علاقة صحية مع الطعام يبدأ من تقليل الضغط، لا من ابتكار وسائل جديدة لإجبار الطفل على الأكل.
وتقوم الفكرة الأساسية على أن الطفل لا يحتاج إلى وجبة مثالية كل مساء، بل إلى تجربة غذائية متوازنة على المدى الطويل، وقد يرفض طعاماً اليوم ثم يقبله بعد أسابيع، أو يحب نوعاً من الخضراوات عندما يقدم بطريقة مختلفة، ولذلك فإن الحكم على ذوق الطفل من محاولة واحدة قد يكون متسرعاً.
ويحذر بعض الطهاة من وصف الطفل بأنه (صعب الإرضاء) أو (لا يأكل شيئاً)، لأن تكرار هذه العبارات قد يحول السلوك المؤقت إلى هوية ثابتة يتبناها الطفل، وقد يبدأ في مقاومة الأطعمة الجديدة لأنه اعتاد سماع أن هذه طبيعته، لا لأنه يرفضها فعلاً في جميع الظروف.
ومن النصائح التي تناولها التقرير، تقديم الطعام الجديد إلى جانب أطعمة مألوفة، فإذا كان الطفل يحب الأرز مثلاً، يمكن إضافة كمية صغيرة من خضار جديدة إلى الوجبة من دون جعل تناولها شرطاً لإنهاء العشاء، وقد تساعد المشاركة في إعداد الطعام على زيادة الفضول، لأن الطفل يرى المكونات ويلمسها ويشارك في اختيار طريقة تقديمها.
كما أن تغيير القوام قد يكون مهماً، فالطفل الذي يرفض الخضراوات المسلوقة قد يتقبلها مشوية، والذي لا يحب طعاماً مقطعاً بطريقة معينة قد يستمتع به في صورة مختلفة، ولا يعني ذلك أن على الأسرة إعداد قائمة طعام منفصلة لكل فرد، بل أن المرونة المعقولة قد تقلل الصدام.
وتثير مسألة إخفاء الخضراوات في الطعام نقاشاً بين الطهاة والآباء، فقد يكون دمج الخضراوات في الصلصات وسيلة عملية لزيادة تنوع الغذاء، لكن تقديمها دائماً بصورة مخفية قد يحرم الطفل من فرصة التعرف إلى طعمها وشكلها، كما أن اكتشاف الخداع قد يضعف الثقة، خصوصاً إذا كان الطفل يشعر بأن الطعام يتحول إلى اختبار.
أما استخدام الحلوى مكافأة، فقد يؤدي إلى نتيجة عكسية، فعندما يصبح السكر جائزة مقابل تناول الخضراوات، يتعلم الطفل أن الطعام الصحي واجب غير ممتع، وأن الحلوى هي الشيء الذي يستحق الانتظار، ومن الأفضل، بحسب الاتجاه العام الذي يطرحه التقرير، تجنب تحويل الوجبات إلى نظام عقوبات ومكافآت.
لكن المرونة لا تعني تجاهل الاحتياجات الغذائية، فالأطفال يحتاجون إلى تنوع مناسب لأعمارهم وظروفهم الصحية، وقد تستدعي بعض حالات الرفض الشديد أو صعوبات البلع أو ضعف النمو تقييماً طبياً متخصصاً، ولا ينبغي التعامل مع كل مشكلة غذائية على أنها مجرد عناد.
وتبرز أيضاً أهمية القدوة، فالطفل الذي يرى الكبار يتناولون أطعمة متنوعة ويستمتعون بها قد يصبح أكثر استعداداً لتجربتها، بينما قد تؤدي التعليقات السلبية المستمرة عن الوزن والطعام إلى خلق علاقة قلقة مع الأكل.
إن المائدة العائلية ليست مختبراً لتحقيق نتائج غذائية مثالية كل ليلة، إنها مساحة للتعلم والتواصل وبناء الذكريات، وقد يكون العشاء البسيط الذي يتناوله الجميع في أجواء مريحة، أكثر فائدة للأسرة من وجبة متقنة تنتهي بالبكاء والتهديد.
والرسالة التي يقدمها الطهاة واضحة، ومفادها: لا يحتاج الطفل إلى أن يحب كل طعام، لكنه يحتاج إلى أن يشعر بأن اكتشاف الطعام تجربة آمنة وممتعة، لا معركة يجب أن ينتصر فيها أحد الطرفين.