باريس - سدن
عاد إلى فرنسا نقاش اقتصادي قديم بشأن مستقبل الصناعة، بعدما واجهت خطط إعادة التصنيع صعوبات دفعت اقتصاديين ومسؤولين إلى الاختلاف حول جدوى الاستثمار في المصانع التقليدية، فهل ينبغي لفرنسا أن تحاول استعادة قطاعات إنتاجية خسرتها خلال العقود الماضية، أم أن الأفضل توجيه مواردها إلى التكنولوجيا المتقدمة والخدمات والصناعات ذات القيمة المضافة العالية؟
وفي المقابل، يرى المدافعون عن إعادة التصنيع أن المصانع ليست مجرد وحدات إنتاج يمكن نقلها إلى البلدان الأرخص، فهي توفر وظائف مستقرة، وتدعم المدن الصغيرة، وتحافظ على المعرفة التقنية، وتمنح الدولة قدرة على إنتاج السلع الأساسية في أوقات الأزمات.
وتكشف الأرقام التي نشرتها صحيفة (لوموند) اليوم، حجم التحول الذي شهدته فرنسا، فقد تراجعت حصة الصناعة التحويلية من الناتج المحلي الإجمالي من نحو 16 في المئة عام 2000 إلى عشرة في المئة عام 2020، وخسرت البلاد أكثر من مليون وظيفة صناعية خلال تلك الفترة.
ولا يمكن تفسير هذا التراجع بعامل واحد، فقد ساهمت العولمة والمنافسة الآسيوية وتغير التكنولوجيا وارتفاع تكاليف الإنتاج في انتقال أنشطة صناعية إلى الخارج، بينما ركزت شركات فرنسية على التصميم والخدمات والبحث والتسويق.
وكانت شركة (ألكاتيل) من أبرز الأمثلة على الرهان الذي شاع مطلع الألفية على نموذج الشركة التي لا تمتلك مصانع كبيرة، فقد اعتقد بعض المديرين أن القيمة الحقيقية تكمن في الابتكار وإدارة العلامة التجارية، بينما يمكن إسناد التصنيع إلى شركات أخرى.
لكن التجربة أظهرت أن التخلي عن الإنتاج قد يؤدي أيضاً إلى فقدان مهارات هندسية ومعرفة عملية يصعب استعادتها، فالتطوير الصناعي لا يجري دائماً بعيداً عن خطوط الإنتاج، بل يعتمد في كثير من الأحيان على التواصل المباشر بين المهندسين والعمال والموردين.
وتواجه فرنسا اليوم سؤالاً يتعلق بالاختيار، فأي الصناعات تستحق الدعم العام؟ هل ينبغي إعطاء الأولوية للأدوية والصلب والمواد الكيميائية والدفاع والطاقة، أم للصناعات الرقمية والبيولوجية التي قد تحقق عوائد أكبر؟
ويزداد التعقيد بسبب قواعد الاتحاد الأوروبي والمنافسة مع ألمانيا والصين والولايات المتحدة، فقد تستطيع دولة كبيرة دعم صناعات استراتيجية، لكن الدعم غير المنضبط قد يؤدي إلى سباق إعانات مكلف داخل أوروبا نفسها.
كما أن إعادة التصنيع، تحتاج إلى عمالة مؤهلة، وطاقة مستقرة، وشبكات نقل وموردين، وليس إلى التمويل وحده، وقد تفشل المشاريع إذا لم تستطع العثور على المهارات المطلوبة، أو إذا كانت تكاليف الإنتاج أعلى بكثير من المنافسين.
إن القضية الفرنسية، كما تقول (لوموند) تكشف معضلة أوسع تواجه الاقتصادات الغربية، حيث كيف تحافظ على استقلالها الصناعي دون العودة إلى حماية قطاعات غير قادرة على المنافسة؟ وربما لا تكون الإجابة في الاختيار بين المصانع والتكنولوجيا، بل في بناء صناعات تجمع بينهما.