لندن - سدن
لطالما كانت لندن مدينة يمكن أن يبدأ فيها المساء بعد منتصف الليل، وأن تتحول شوارعها الخلفية إلى مسارح صغيرة للموسيقى والتعارف والصداقات العابرة، لكن العاصمة البريطانية، التي صنعت جانباً من شهرتها العالمية بفضل حانات سوهو ونوادي كامدن وموسيقى شورديتش، تخوض اليوم معركة للحفاظ على حياتها الليلية، بعدما أصبحت القيود الإدارية وارتفاع التكاليف وتغير عادات السكان تهدد جزءاً من هويتها الثقافية والاجتماعية.
واليوم، الثالث من نوفمبر، تدخل حيز التنفيذ صلاحيات جديدة تمنح عمدة لندن صادق خان قدرة أوسع على التدخل في قرارات تراخيص المنشآت ذات الأهمية الاستراتيجية، بما فيها الحانات والنوادي وأماكن الموسيقى الحية، وتتيح الصلاحيات للعمدة النظر في طلبات معينة واتخاذ قرارات بشأنها، بعدما كانت السلطات المحلية تتمتع بالدور الحاسم في تنظيم ساعات العمل وشروط الترخيص، وتُعد الخطوة محاولة لتخفيف القيود التي يرى أصحاب الأعمال أنها جعلت العاصمة أقل جاذبية للترفيه الليلي.
وتبدو المفارقة واضحة في مدينة تضم بعض أشهر مناطق السهر الأوروبية، لكنها تفرض في أحياء عديدة قيوداً تجعل افتتاح منشآت جديدة بعد الحادية عشرة ليلاً أمراً بالغ الصعوبة، ففي هاكني، أحد المراكز التاريخية للموسيقى البديلة، تواجه طلبات التراخيص المتأخرة قيوداً صارمة، بينما شهدت وستمنستر، التي تضم سوهو وويست إند، جدلاً حول سياسات تحد من افتتاح حانات ومطاعم جديدة أو تمديد ساعات عملها.
وتكشف المقارنة مع مانشستر وبرمنغهام وليفربول عن جانب آخر من الأزمة، فهذه المدن تعتمد سياسات أكثر مرونة في كثير من مناطقها، ما سمح لبعض المنشآت بمواصلة العمل حتى ساعات الفجر، أما لندن، فرغم كثافتها السكانية ومكانتها السياحية، فقد أصبحت إجراءات الترخيص فيها عقبة أمام مشاريع ترفيهية وثقافية جديدة، بحسب أصحاب أعمال تحدثوا إلى الصحافة البريطانية.
ولا تتعلق القضية بالحانات والنوادي وحدها، فالحياة الليلية في لندن تمثل منظومة واسعة تشمل المطاعم والمسارح والعروض الموسيقية ووسائل النقل والأنشطة الثقافية والخدمات التي تعمل بين السادسة مساءً والسادسة صباحاً، ووفق أرقام بلدية لندن، يسهم الاقتصاد الليلي بأكثر من 139 مليار جنيه إسترليني سنوياً في اقتصاد العاصمة، ويدعم أكثر من مليون عامل، وهي أرقام تشمل النشاط الاقتصادي الليلي الواسع، لا قطاع الترفيه وحده.
وقد دفعت الأزمة بلدية لندن إلى تشكيل فريق مستقل لدراسة مستقبل المدينة بعد حلول الظلام، وفي يناير الماضي، قدم الفريق 23 توصية موزعة على عشرة مجالات، شملت إصلاح نظام التراخيص، وتوفير الدعم للمشاريع الصغيرة، وتحسين النقل الليلي، وإعادة النظر في التعامل مع شكاوى الضوضاء، وإنشاء لجنة مستقلة تمثل العاملين وأصحاب المنشآت، وأعلن العمدة تخصيص 300 ألف جنيه إسترليني للمساعدة في تأسيس اللجنة الجديدة.
غير أن النقاش يتجاوز الاقتصاد إلى طبيعة الحياة الاجتماعية في العاصمة، فالنوادي الموسيقية والحانات التقليدية ليست مجرد مؤسسات تجارية، بل أماكن يلتقي فيها غرباء ويتحولون إلى أصدقاء، ويجد فيها الموسيقيون الشباب فرصتهم الأولى، وتتشكل داخلها ثقافات فرعية أسهمت في صناعة الشخصية اللندنية، وقد يكون اختفاء نادٍ صغير أقل أهمية في الحسابات المالية من إغلاق مؤسسة كبرى، لكنه قد يعني خسارة مساحة اجتماعية لا يمكن تعويضها بسهولة.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل اعتراضات السكان الذين يطالبون بالهدوء والأمان، خصوصاً في الأحياء التي تتداخل فيها المباني السكنية مع المنشآت الترفيهية، فالموسيقى المرتفعة والتجمعات الليلية والازدحام تفرض أعباء حقيقية على المقيمين، ولهذا لا يدور الخلاف حول حق المدينة في السهر فقط، وإنما حول كيفية التوفيق بين مصالح السكان وحقوق أصحاب الأعمال والعاملين والزوار.
وتضاف إلى ذلك أزمة تكاليف المعيشة التي غيرت سلوك المستهلكين، فارتفاع الإيجارات وأسعار الخدمات وتكاليف تشغيل المنشآت جعل الخروج المتكرر أكثر كلفة، بينما تواجه المؤسسات الصغيرة ضغوطاً ناجمة عن الأجور والضرائب ونقص العمالة، وأصبحت المحافظة على الجمهور تحدياً لا يقل صعوبة عن الحصول على الترخيص.
واللافت أن الجدل حول الحياة الليلية يعكس تحولاً أوسع في فهم المدينة الحديثة، فالعاصمة التي تستقطب ملايين العاملين والسياح والطلاب لا تستطيع تنظيم نشاطها الاجتماعي وفق ساعات العمل التقليدية وحدها، إنها تحتاج إلى وسائل نقل آمنة، ومساحات ثقافية متنوعة، وخدمات تتناسب مع أنماط حياة مختلفة، من دون تحويل الأحياء السكنية إلى مناطق ضوضاء دائمة.
واليوم، تقف لندن أمام اختبار يتجاوز قراراً إدارياً بشأن ساعات إغلاق الحانات، فالمطلوب حماية التوازن بين مدينة يسكنها الناس، ومدينة يقصدها العالم للعيش والعمل والاستمتاع، وإذا نجحت الإصلاحات الجديدة، فقد تستعيد العاصمة شيئاً من حيويتها الليلية، أما إذا بقيت العقبات الاقتصادية والتنظيمية قائمة، فإن لندن تخاطر بفقدان جانب من الحياة الاجتماعية التي صنعت جاذبيتها عبر أجيال.