من بغداد إلى لندن.. كيف حمل اليهود العراقيون وطنهم إلى المنفى؟
الجذور والهجرة والتحولات التي صنعت الجالية العراقية اليهودية في بريطانيا
لندن – سدن
لم تكن لندن بالنسبة إلى اليهود العراقيين مجرد عاصمة أوروبية استقبلت مهاجرين فروا من الاضطرابات السياسية في بلادهم، بل كانت، قبل ذلك بقرن كامل، إحدى المحطات الرئيسية لشبكة تجارية واجتماعية امتدت من بغداد والبصرة إلى بومباي وشنغهاي وهونغ كونغ، وعندما بدأت موجات الهجرة الكبرى في منتصف القرن العشرين، كان بعض اليهود العراقيين يعرفون بريطانيا من خلال التجارة والتعليم والمصارف والعلاقات العائلية، فيما وصل آخرون إليها لا يملكون سوى شهاداتهم المهنية وذكريات البيوت التي تركوها وراءهم.
ومن هاتين التجربتين نشأت جالية يصعب اختصارها في حكاية واحدة، فهي تضم أحفاد عائلات ثرية ارتبطت بالإمبراطورية البريطانية، وأبناء موظفين وحرفيين ومعلمين وأطباء وتجار صغار غادروا العراق في ظروف مختلفة، ثم أصبحوا جزءاً من المجتمع البريطاني.
وتعود جذور الوجود اليهودي في بلاد الرافدين إلى أكثر من ألفين وخمسمئة عام، وقد أنتج هذا الوجود تراثاً دينياً وفكرياً واسعاً، ارتبط خصوصاً بالتلمود البابلي والمدارس الدينية التي ازدهرت في المنطقة، غير أن يهود العراق الحديث لم يكونوا مجتمعاً دينياً منعزلاً عن محيطه، فقد تحدثوا العربية، وشاركوا في التجارة والإدارة والتعليم والصحافة والموسيقى، وارتبطوا بعلاقات يومية مع المسلمين والمسيحيين، وفي العقود الأولى من القرن العشرين، شكلوا شريحة مهمة من الطبقة الوسطى المدينية، وكان لهم حضور ملحوظ في الحياة الاقتصادية والثقافية لبغداد.
وتشير وثائق الأرشيف اليهودي العراقي المحفوظ لدى الأرشيف الوطني الأميركي إلى وجود نحو خمسين ألف يهودي في بغداد عام 1910، حين كان عدد سكان المدينة يزيد قليلاً على مئتي ألف، بينما بلغ مجموع اليهود في العراق نحو 130 ألفاً عام 1949، تركزوا في بغداد والبصرة والموصل.
ولم تكن هذه الأرقام تعكس مجرد كثافة سكانية، بل مجتمعاً متكاملاً له مدارسه ومؤسساته الخيرية ومحاكمه الدينية وشبكاته الاقتصادية، وكان اليهود العراقيون، على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية، جزءاً من الثقافة العربية المحلية، يكتبون ويتحدثون بلهجاتها ويستمعون إلى موسيقاها ويشاركون في تشكيلها، ولم يكن الانتماء إلى الديانة اليهودية يعني بالضرورة الانتماء السياسي إلى الصهيونية، فقد ضمت الجماعة اتجاهات وطنية عراقية ويسارية ومحافظة وصهيونية، إلى جانب غالبية انشغلت بحياتها وأعمالها.
وتكشف هذه الحقيقة أهمية التمييز بين اليهودية بوصفها ديانة وهوية اجتماعية، والصهيونية بوصفها حركة سياسية نشأت في سياق تاريخي مختلف، وهو تمييز ضروري لفهم ما جرى لاحقاً، حين أصبح الصراع العربي الإسرائيلي عاملاً حاسماً في حياة مواطنين عراقيين لم يكونوا طرفاً واحداً في ذلك الصراع.
وقد بدأ الاتصال المنظم ببريطانيا قبل قيام الدولة العراقية الحديثة، ففي القرن التاسع عشر، أسهم تجار يهود من بغداد والبصرة في بناء شبكات مالية عبر المحيط الهندي، مستفيدين من الموانئ البريطانية في الهند والعلاقات التجارية مع أوروبا، وبرزت عائلة ساسون التي غادر أحد أبرز أفرادها، ديفيد ساسون، بغداد عام 1829، واستقر في بومباي، حيث أسس أعمالاً توسعت لاحقاً إلى الصين وبريطانيا، لكن هذه الهجرة المبكرة اختلفت جذرياً عن الهجرة التي شهدها القرن العشرون، فقد كانت انتقالاً تجارياً لعائلات محدودة، بينما جاءت الهجرة اللاحقة في ظل أزمات سياسية وأمنية أدت إلى تفكك جماعة وطنية كاملة تقريباً، ومن الخطأ التاريخي اعتبار جميع اليهود العراقيين في بريطانيا امتداداً لعائلات ساسون وقدوري الثرية، لأن كثيرين منهم وصلوا في ظروف اقتصادية متواضعة، وبعضهم اضطر إلى البدء من جديد بعد فقدان ممتلكاته ومدخراته.
وشهدت العلاقة بين اليهود العراقيين ودولتهم منعطفاً خطيراً مع أحداث الفرهود في بغداد يومي الأول والثاني من حزيران/يونيو 1941، حين تعرض اليهود لأعمال قتل ونهب واعتداءات واسعة في ظروف سياسية مضطربة أعقبت انهيار حكومة رشيد عالي الكيلاني، وقد أحدثت تلك الأحداث صدمة عميقة، لأنها كشفت هشاشة الشعور بالأمان لدى جماعة كانت ترى نفسها جزءاً أصيلاً من المجتمع العراقي، ومع ذلك، لم يغادر جميع اليهود بعد الفرهود، ولم تختفِ العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي ربطتهم بمحيطهم، فقد استمرت الحياة اليهودية في بغداد خلال الأربعينيات، وإن أصبحت أكثر قلقاً، خصوصاً مع تصاعد النشاطات السياسية القومية والصهيونية واليسارية، واشتداد التوتر المرتبط بفلسطين.
وجاءت حرب عام 1948 لتزيد الوضع تعقيداً، فقد انعكست المواجهة بين الدول العربية وإسرائيل على اليهود العراقيين، وتعرض بعضهم للاعتقال والفصل من الوظائف والقيود الاقتصادية، فيما شكل إعدام رجل الأعمال شفيق عدس في أيلول/سبتمبر 1948 علامة فارقة في شعور قطاع من الجماعة بالخطر، وفي آذار/مارس 1950 صدر قانون إسقاط الجنسية عن اليهود الراغبين في مغادرة العراق، ثم جاءت إجراءات تجميد الأموال والممتلكات في عام 1951، وخلال فترة قصيرة غادر نحو 120 إلى 125 ألف يهودي البلاد، وكانت إسرائيل الوجهة الرئيسية للهجرة الجماعية، بينما توزع آخرون على بريطانيا وكندا والولايات المتحدة ودول أخرى.
وقد ناقش المؤرخون دوافع الخروج وأدوار الحكومات العراقية والحركة الصهيونية والظروف الإقليمية، لكن المؤكد أن القوانين العراقية والقيود السياسية والأمنية كانت عناصر أساسية في تفكيك الجماعة.
أما الذين وصلوا إلى بريطانيا، فلم يسلكوا جميعاً الطريق نفسه، فبعضهم جاء مباشرة من العراق، وآخرون مروا بإسرائيل أو الهند أو بلدان أوروبية، وبعض العائلات كانت قد أرسلت أبناءها للدراسة في المدارس والجامعات البريطانية قبل أن تقرر الاستقرار نهائياً، وتكشف شهادة البريطاني أندرو عبدالعازر، المولود في مانشستر لأبوين عراقيين، عن هذه المسارات المتداخلة، فقد وصل والده إلى بريطانيا في شبابه والتحق بمدرسة داخلية في برايتون، قبل انتقال بقية العائلة، بينما غادرت عائلة والدته العراق إلى إسرائيل، حيث التقى والداه لاحقاً، وبعد الزواج استقرا في مانشستر، ونشأ ابنهما في بيئة بريطانية تحتفظ بصلات لغوية وعائلية قوية مع بغداد.
وتكتسب شهادة عبدالعازر أهمية خاصة لأنها تخرج قصة الهجرة من إطار السياسة الكبرى إلى تفاصيل الحياة اليومية، فقد تحدث عن أب كان يعرف الإنكليزية والعربية اليهودية العراقية، وأم كانت تتحدث العبرية، ثم أصبحت العربية العراقية اللغة المشتركة داخل البيت، وبهذه الطريقة نشأ الأبناء وهم يسمعون لغة لم تكن مألوفة في محيطهم البريطاني، وعندما كبروا، تقدمت الإنكليزية باعتبارها لغة الدراسة والعمل والمجتمع، لكن العربية بقيت حاضرة في أحاديث العائلة والطعام والذكريات، في صورة مصغرة للتحول الذي عاشته عائلات كثيرة، حيث الآباء يحملون الوطن في لغتهم، والأبناء يحملونه في أصوات الآباء، ثم يصبح الوطن لدى الأحفاد شيئاً يحتاج إلى البحث والاكتشاف.
ومن الشهادات اللافتة أيضاً تجربة فوزي إبراهيم، والد الكاتبة المسرحية البريطانية دينا إبراهيم، الذي غادر بغداد عام 1958، ثم وصل إلى لندن في سن السادسة عشرة لدراسة الهندسة الكهربائية.
وتروي ابنته، التي نشأت في منطقة ويلزدن اللندنية، أن والدها تزوج امرأة بريطانية من خلفية عمالية في جنوب لندن، وأنها لم تكن تعرف الكثير عن تفاصيل تاريخ عائلته العراقية خلال طفولتها، ولم تبدأ في اكتشاف تلك الحكاية إلا لاحقاً، عندما أعادت الاستماع إلى شهادات أعمامها وأقاربها، وقد تحولت التجربة إلى مسرحية عرضت في لندن خلال عامي 2023 و2024، وهو ما يكشف أن تاريخ الهجرة لا يزال ينتج أعمالاً ثقافية جديدة بعد مرور أجيال على وقوعه.
ولم يكن الاستقرار في بريطانيا يعني بالضرورة نهاية الشعور بالاقتلاع، فقد اضطر المهاجرون إلى إعادة بناء حياتهم المهنية والاجتماعية، وتعلم التعامل مع مؤسسات مختلفة، والتكيف مع مجتمع يهودي بريطاني كانت الغلبة التاريخية فيه لتقاليد يهود أوروبا الوسطى والشرقية، وكان اليهود العراقيون ينتمون في الغالب إلى التقاليد الدينية السفاردية والشرقية، ويحملون أنماطاً مختلفة من الصلاة والإنشاد والطعام والعلاقات الأسرية، لذلك لم يكن اندماجهم مجرد انتقال من ثقافة عراقية إلى ثقافة بريطانية، بل شمل أيضاً إعادة تعريف موقعهم داخل المجتمع اليهودي البريطاني نفسه.
وقد ساعدتهم المؤسسات الدينية السفاردية في لندن على إيجاد إطار اجتماعي يستوعب هذه الخصوصية، فارتبطت عائلات عراقية بمعبد لودرديل رود في منطقة مايدا فيل، وبمؤسسات أخرى في شمال غرب لندن، حيث تشكلت شبكات للزواج والتعارف والمساعدة والتعليم الديني، وفي الوقت نفسه، حافظ كثيرون على علاقاتهم مع الجاليات العراقية اليهودية في إسرائيل وكندا والولايات المتحدة، فكانت المناسبات العائلية تجمع أشخاصاً ولدوا في مدن متباعدة، لكنهم يتشاركون أسماء عائلية ولهجة ومطبخاً وذاكرة واحدة، ومع مرور الزمن أصبحت لندن إحدى العقد الأساسية لهذه الشبكة العابرة للقارات، لا مركزها الوحيد.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين تجربتين، حيث تجربة اليهود العراقيين الذين استطاعوا نقل جزء من أموالهم وعلاقاتهم التجارية إلى بريطانيا، وتجربة الذين اضطروا إلى إعادة بناء حياتهم اعتماداً على التعليم والعمل والروابط العائلية، فالتاريخ الشائع الذي يركز على كبار التجار والمصرفيين قد يوحي بأن الهجرة كانت انتقالاً من ثراء إلى ثراء، بينما تكشف شهادات العائلات العاملة والطبقة الوسطى عن معاناة أكثر تعقيداً، شملت فقدان المكانة الاجتماعية والتأقلم مع أعمال جديدة وتربية الأطفال في بيئة لغوية وثقافية مختلفة، كما أن النساء لعبن دوراً محورياً في استمرار العادات، من خلال إدارة الحياة الأسرية ونقل الوصفات والأغاني والطقوس إلى الأبناء، حتى عندما لم تتوفر لهن مساحة واسعة في الروايات التاريخية المنشورة.
وبعد عام 2000 بدأت مرحلة جديدة في التعامل مع هذه الذاكرة، فقد ظهرت مشاريع تسجيل الشهادات الشفوية، وأفلام وثائقية ومذكرات شخصية وأعمال فنية تستعيد تاريخ اليهود العراقيين من منظور الأبناء والأحفاد.
وتحتفظ المكتبة البريطانية بأرشيف مشروع Sephardi Voices UK الذي سجل شهادات مهاجرين من العراق ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وإيران، ووفق المعلومات المنشورة عن المشروع، شمل الأرشيف أكثر من مئة مقابلة مع أشخاص من أكثر من خمس عشرة دولة، بينها العراق، وهذه الشهادات لا تقدم تاريخاً للهجرة فحسب، بل توثق كيف عاش المهاجرون في بريطانيا، وكيف تغيرت نظرتهم إلى أوطانهم القديمة مع تقدم العمر.
وتكشف العودة المتأخرة إلى الذاكرة العراقية عن مفارقة لافتة، فالجيل الأول حاول في كثير من الأحيان حماية أبنائه من ثقل الماضي، وركز على الدراسة والعمل والاستقرار.
أما بعض أبناء الجيلين الثاني والثالث، الذين نشأوا في بريطانيا ولم يعيشوا الخوف الذي عاشه آباؤهم، فقد أصبحوا أكثر استعداداً للبحث في التاريخ العائلي، واستعادة العربية والموسيقى العراقية، ومساءلة الروايات التي اختزلت أجدادهم في صفتهم الدينية وحدها.
ومن هنا ظهرت أعمال مثل The Wolf of Baghdad للفنانة كارول آيزكس، ومسرحية The Mother of Kamal لدينا إبراهيم، إلى جانب مشاريع موسيقية وثقافية تستعيد العراق بوصفه جزءاً من الهوية البريطانية المعاصرة لأصحابها.
وبين بغداد التي غادرها الآباء ولندن التي ولد فيها الأحفاد، تشكلت هوية لا يمكن حصرها في جنسية واحدة أو رواية سياسية واحدة، فهؤلاء بريطانيون بحكم الميلاد أو الاستقرار، ويهود بحكم الانتماء الديني أو العائلي، وعراقيون بدرجات متفاوتة من الذاكرة واللغة والثقافة، فبعضهم يحتفظ بعلاقة وجدانية قوية مع بغداد، وبعضهم يعرف العراق من قصص عائلته، وآخرون ينظرون إلى جذورهم بوصفها عنصراً من عناصر تاريخ شخصي متعدد، ولم تعد القضية مقتصرة على سؤال لماذا غادر اليهود العراق، بل أصبحت تشمل سؤالاً معاصراً: كيف استطاع أبناؤهم أن يصنعوا حياة بريطانية جديدة، من دون أن تختفي بغداد تماماً من وجدان العائلة؟
إن تاريخ اليهود العراقيين في بريطانيا يوضح أن الهجرة لا تنتهي عندما يصل الإنسان إلى بلد جديد، فهي تستمر في اللغة التي تتراجع، وفي الأطعمة التي تبقى، وفي أسماء العائلات التي تتغير طريقة نطقها، وفي الأبناء الذين يكتشفون بعد عقود أن حكاية آبائهم جزء من تاريخ أوسع مما كانوا يتصورون.
وربما كانت هذه هي المفارقة الكبرى، في أن بغداد التي فقدت معظم يهودها في منتصف القرن العشرين، ما زالت حاضرة في بيوت بريطانية لم يرَ أصحابها نهر دجلة قط.