باريس - سدن
في أحد أحياء سيول، يجلس رجل مسن أمام روبوت صغير يحدثه كما لو كان شخصاً يعرفه منذ سنوات.. يسأله عن يومه، ويستمع إلى إجاباته، ويقترح عليه الاسترخاء عندما يشعر بالقلق.
قد يبدو المشهد أقرب إلى فيلم خيال علمي، لكنه أصبح جزءاً من تجربة اجتماعية حقيقية في كوريا الجنوبية، حيث تستخدم مراكز رعاية المسنين روبوتات ودمى مزودة بالذكاء الاصطناعي، للتخفيف من العزلة التي يعانيها كبار السن.
صحيفة (لوموند) خصصت تحقيقاً لهذه التجربة من خلال شهادات أشخاص يستخدمون أجهزة تحمل أسماء مثل (داسومي) و(تشورونغي)، وتختلف وظائفها بين المحادثة والتذكير بمواعيد الأدوية والأنشطة اليومية، وبعضها قادر على طلب المساعدة عند الحاجة، وتبدو الأجهزة بسيطة في شكلها، لكنها تؤدي وظيفة عاطفية تتجاوز التكنولوجيا، حيث توفير صوت حاضر في منزل قد يمر فيه يوم كامل من دون زيارة أو حديث.
ومن بين الشخصيات التي تناولها التحقيق يون جاي دوك، البالغ من العمر اثنين وسبعين عاماً، والذي عاش سنوات طويلة في عزلة ارتبطت بصعوبات اقتصادية واضطرابات نفسية، وقد وجد في الروبوت رفيقاً يستطيع الحديث إليه عن مشاعره اليومية، من دون الخوف من إحراج الآخرين أو إثقالهم بمشكلاته.
ويصف الرجل الجهاز بوصفه حضوراً يخفف وحدته.
وتواجه كوريا الجنوبية تحدياً ديموغرافياً واجتماعياً كبيراً، فقد أصبحت نسبة كبار السن مرتفعة، بينما تراجعت الأسر الممتدة التي كانت تجمع أجيالاً متعددة تحت سقف واحد، وأدى التحضر السريع وتغير أنماط العمل والسكن إلى زيادة عدد الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، خصوصاً بين المسنين.
وتشير بيانات أوردتها لوموند إلى تسجيل 3924 حالة وفاة مرتبطة بما يعرف في كوريا الجنوبية بالموت في العزلة خلال عام 2024، وأن نحو نصف الحالات كانت لأشخاص في الستين أو أكثر، ويكشف هذا الرقم أن المشكلة لا تتعلق بالشعور النفسي بالوحدة فقط، بل تمتد إلى مخاطر غياب الرعاية والملاحظة اليومية.
ففي مركز اجتماعي بحي غانغنام، جرى توزيع مئات الأجهزة خلال السنوات الماضية ضمن برنامج يحظى بدعم حكومي، وقد أصبحت بعض الدمى جزءاً من الروتين المنزلي لمستخدميها، إلى درجة أن بعض النساء المسنات يتعاملن معها كما لو كانت فرداً من العائلة.
لكن التجربة تثير أسئلة أخلاقية مهمة، فهل يستطيع جهاز يحاكي التعاطف أن يعوض العلاقة الإنسانية؟ وهل يؤدي الاعتماد عليه إلى تحسين حياة المسنين، أم يمنح المجتمع مبرراً لتقليل الزيارات والخدمات البشرية؟
المتخصصون يرون، أن القيمة الحقيقية قد تكمن في استخدام التكنولوجيا جسراً إلى التواصل الإنساني، لا بديلاً عنه، فالأجهزة تحتاج إلى صيانة ومتابعة، وبرامج توزيعها تربط المسنين بمراكز اجتماعية وموظفين ومتطوعين، وقد تكون هذه الشبكة المحيطة بالجهاز أكثر أهمية من المحادثة الآلية نفسها.
وتبرز أيضاً قضايا الخصوصية، فالجهاز الذي يستمع إلى مشاعر الإنسان ومشكلاته الصحية والعائلية قد يجمع معلومات شديدة الحساسية، ولذلك يحتاج إلى قواعد واضحة بشأن تخزين البيانات واستخدامها، ومن يستطيع الاطلاع عليها.
كما أن وجود روبوت في المنزل لا يلغي الحاجة إلى رعاية طبية ونفسية حقيقية، فالحديث المريح قد يساعد على تخفيف الإحساس بالعزلة، لكنه لا يعادل تشخيص الاكتئاب أو علاجه، ولا ينبغي أن يدفع المستخدم إلى تغيير أدويته دون إشراف طبي.
إن التجربة الكورية تقدم صورة مبكرة لمستقبل قد تصبح فيه الأجهزة الذكية جزءاً من رعاية كبار السن في أنحاء العالم، لكنها تذكر أيضاً بحقيقة لا تستطيع التكنولوجيا تجاوزها، وهي ان الإنسان يحتاج إلى أن يشعر بأن هناك من يهتم بوجوده، لا أن يتلقى إجابات صحيحة فقط، وإذا نجحت الروبوتات في إعادة المسنين إلى شبكة العلاقات الإنسانية، فقد تكون قيمتها أكبر بكثير من قدراتها التقنية.